Make your own free website on Tripod.com

سلسلة الحقائق الغائبة (4) :

 

نقد عقيدة العصمة

فيصل نور

 

مسودة بحث موجز لدراسة مستفيضة في عصمة الأئمة عند الشيعة أنوي القيام بها إن كان في العمر بقية إن شاء الله .

يقول الصدوق: إن جميع الأنبياء والرسل والأئمة أفضل من الملائكة وأنهم مطهرون من كل دنس ورجس لا يهمون بذنب صغير ولا كبير ولا يرتكبونه . ويقول: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن نفى عنهم العصمة في شييء من أحوالهم فقد جهلهم 0 واعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل امورهم إلى أواخرها لا يوصفون في شييء من احوالهم بنقص ولا جهل .

ويقول علم الهدي: لا يجوز عليهم شييء من المعاصي والذنوب كبيرا كان أو صغيرا لا قبل النبوة ولا بعدها .

ويقول المفيد: الأنبياء والأئمة من بعدهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر كلها .

ويقول المجلسي: الإمامية اجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من الذنوب الصغيره والكبيرة عمدا وخطأ ونسيانا قبل النبوة والإمامة وبعدها، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه ، وعد ذلك من ضروريات مذهب الإمامية .

ويقول: اعلم إن الإمامية اتفقوا على عصمة الأئمة من الذنوب صغيرها وكبيرها فلا يقع منهم ذنب أصلا لا عمدا ولا نسيانا ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه.

ويقول المظفر: ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمدا وسهوا، كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان .

وعلى هذا القول سائر الإمامية مما يغنينا عن ذكرها جميعا0

وقد استدل القوم على اثبات عقيدة العصمة التي هي من موجبات الإمامة والإمام بآيات وروايات سنذكرها إن شاء الله تعالى ونتكلم فيها:

الدليل الأول: قول الله تعالى :{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[ الأحزاب /33]، ونزولها في أهل الكساء خاصة وهم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وهي تدل على عصمتهم.

أقول: لا شك في صحة حديث الكساء، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أدخل عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فيه ثم قال:{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ولا يعني هذا بالضرورة صحة كل ما ورد في القصة إذ أن معظمها لا يصح سندا أو متنا إلا بالقدر الذي أوردناه أو قريبا منه، وحيث أن القصة وردت من طرق صحيحة فإن هذا يغنينا عن الكلام في أسانيد طرقها الأخرى ولكن نتكلم في دلالتها على مقصود القوم، ونذكر الردود عليه، فنقول ليس في استدلالنا هذا دلالة على العصمة ولا الإمامة، وبيان ذلك من وجوه: منها، أن قوله تعالى:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} كقوله:{ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} [المائدة /6]، وكقوله:{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[ البقرة /185]، وكقوله:{ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم }[ النساء /26].وكقوله:{ يريد الله أن يخفف عنكم}[النساء /28]00الآيات، فإن إرادته عزوجل في هذه الآيات متضمنة لمحبته لذلك المراد ورضاه به وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هـذا المراد ولا أنـه قضاه وقدره ولا أنـه يكون لا محالة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فطلب من الله لهم اذهاب الرجس والتطهير، فلو كانت الآية تتضمن أخبار الله بانه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم لم يحتج إلى الطلب والدعاء، ولقال الله تعالى: ان الله اذهب عنكم الرجس أهل البيت وطهركم تطهيرا، وتؤكدها الرواية الأخرى التي قال فيهـا بعد نزول هذه الآية: اللهم أنا وأهل بيتي هؤلاء إليك لا إلى النار .

فلو كان مفهوم الرجس متحققا هنا كما يرى القوم لما كان للدعاء هنا محل.

وأيضا لو كانت مفيده للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرون في غزوة بدر قاطبة معصومين لقوله تعالى فيهم: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} بل لعل هذا افيد لما فيه من قوله سبحانه:{ وليتم نعمته عليكم} فإن وقوع هذا الاتمام لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان، وعلى أي حال سنأتي على الكلام في العصمة0

ومنها، أن الخطاب في الآيات كله لأزواج النبي حيث بدأ بهن وختم بهن، قال تعالى:{ يـأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن إتقين فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وأذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا} فالخطاب كله لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعهن الأمـر والنهي والوعـد والوعيـد لكن لما تبين ما في هذا مـن المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بضمير المذكر لأنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، حيث تناول أهل البيت كلهم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم اخص من غيرهم بذلك،

لذلك خصهم النبي بالدعاء لهم، وهذا كما أن قوله لمسجد أسس على التقوى من أول يوم، نزلت بسبب مسجد قباء لكن الحكم يتناوله ويتناول ماهو أحق منه بذلك وهو مسجد المدينة، ويؤيد ذلك ما جاء في بعض الروايات من قوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية: اللهم إن هؤلاء أحق . ونعود إلى صيغة التذكير ونضيف إن هذا شائع في اللغة كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك ؟ أي امرأتك ونساؤك، فيقول: هم بخير، وقد قال تعالى:{ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} [ هود/ 73]. والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم عليه السلام ، وهذا دليل على أن زوجة الرجل من أهل البيت0 وقوله تعالى:{ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي أتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون }[ القصص/ 29]، والمخاطب هنا أيضا زوجة موسى عليه السلام ، والشواهد على ذلك كثيرة وسنأتي على ذكر أمثلة أخرى .

وقد تفطن إلى ذلك بعض علماء الشيعة فبدا عاجزا عن رد هذا الإشكال فإدعى إن في الآية تحريفا، فالمجلسي مثلا في رده على هذا الإشكال قال: لعل آية التطهير وضعوها في موضع زعموا انها تناسبه، أو ادخلوها في سياق مخاطبة الزوجات لبعض مصالحهم الدنيوية ، وقد ظهر من الأخبار عدم ارتباطها بقصتهن، فالاعتماد في هذا الباب على النظم والترتيب ظاهر البطلان، ولو سلم عدم التغيير في الترتيب فنقول: ستأتي أخبار مستفيضة بأنه سقط من القرآن آيات كثيرة فلعله سقط مما قبل الآية وما بعدها آيات لو ثبت لم يفت الربط الظاهري بينها 0

وقال أحد المعاصرين وهو أكثر حذرا في اخفاء عقيدته: فالآية لم تكن بحسب النزول جزءا من آيات نساء النبي ولا متصلة بها وانما وضعت بينها أما بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عند التأليف بعد الرحلة .

وعلى أي حال لا نسهب في تناول هذه الجزئية، فحسبنا أن اضطرار هؤلاء في جزء من آية لا آية باكملها إلى كل هذه التأويلات دليل على بعدها عن مقصودهم، وصحة نزولها في زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذا أهل بيته أجمعين0

نعود إلى الردود، ومنها أن ما اختص به الأمير والسبطان من الآية بزعم القوم ثبت للزهراء رضي الله عنها، وخصائص الإمامة لا تثبت للنساء، فلو كان هذا دليلا لكان من يتصف به يستحقها والزهراء رضي الله عنها كذلك وبذات الاعتبار 0 ومنها، خروج تسعة من الأئمة لعدم شمول الآية لهم، حيث اختصت الآية بثلاثة منهم0

ومنها، أن اذهاب الرجس لا يكون إلا بعد ثبوته، والشيعة يقولون بعصمة الأئمة منذ ولادتهم إلى وفاتهم، كما مر بك0

والحال أن الردود كثيرة، لا يسعنا سردها جميعا وبالاخص مسألة الكلام في إرادة الله وعقيدة الشيعة فيها وتعارضها مع الآية 0

وقد رد على ذلك من وجوة عقلية كثيرة، ليس في هذا الإيجاز مكان لذكرها، ولكننا سنقتصر على ايراد النصوص الدالة على خلاف هذا القول فهو ابلغ في المقصود كما سترى، ونبدأ قبل ذلك بايراد معني الرجس الذي في الآية موضوع حديثنا فنقول: وردت كلمة الرجس في القرآن في مواضع عدة، كقوله تعالى:{ يـأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون }[ المائدة /90].

وقوله:{ كذلك يجعـل الله الرجس على الذين لا يؤمنون }[ الانعام/ 125].

وقوله:{ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا إن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الانعام/ 145]، وقوله:{ قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب}[ الاعراف/ 71]، وقوله:{ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم أنهم رجس} [التوبة/ 95] .

وقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم }[ التوبة/ 125].

وقوله:{ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}[ يونس/ 100]، وقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج/ 30 ]0 وليس فيما أوردناه من الآيات دليل على حمل مفهوم الرجس علي الدلالة الموجبة للعصمة كما يدعيها القوم في آية التطهير، ويؤيد ذلك ايضا روايات ذكرها القوم عن الأئمة في ذلك منها: قول الصادق في قول الله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس00الآية، قال: الرجس هو الشك ، وقول الباقر: الرجس هو الشك والله لا نشك في ربنا - وفي رواية في ديننا - وفي أخرى في الله الحق ودينه - أبدا .

وقول الصادق في قوله تعالى:{ كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون}، قال: هو الشك 0 فهل ترى في هذه الروايات أو تلك الآيات ما يستوجب القول بالعصمه التي يراها القوم لأئمتهم. ولا شك أن القوم سيأبون هذا التأويل. لذا لا نرى بدا من أن نورد عليهم ما ينافي تلك العصمه المزعومة، ففيها غناء عن كل كلام وترفع عن أي خصام، ولك بعدها أن تحكم بنفسك0

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأنبياء عليهم السلام

نبدأ كلامنا بذكر بعض ما أورده القوم ويتعلق بشأن الأنبياء عليهم السلام، ونبدأ بذكر آدم ، ففي قول الله تعالى:{ وعصى آدم ربه فغوى} [طه /121].

روى القوم عن الصادق أنه قال: كان لسان آدم العربية، فلما عصى ربه ابدله بالجنة ونعيمها الأرض والحرث، وبلسان العربية السريانية .

وعنه أيضا قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس يأتون إلى آدم فيقولون: أنت أبونا وأنـت نبي فسل ربـك يحكم بيننا ولـو إلى النـار، فيقـول: لست بصاحبكم خلقني ربي بيده

وحملني على عرشه واسجد لي ملائكته ثم أمرني فعصيته .

وذكروا في قوله تعالى:{ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}[ البقرة/ 37].

عن الصادق قال: أن آدم عليه السلام نظر إلى أرواح الأئمة ومنزلتهم في الجنة فحسدهم وتمني منزلتهم . وفي رواية: لما اسكن الله تبارك وتعالى آدم الجنة مثل له النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم فنظر إليهم بحسد ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة باوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم غفر الله له، وذلك قوله: فتلقى آدم من ربه كلمات00الآية 0 وكذلك ارجع الى القول في الآيات الأخرى التي نزلت في شأنه وحواء عليهما السلام، كقوله تعالى:{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون}[ الاعراف/ 189]. وقوله تعالى:{ ونادهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [ الاعراف/220].

ومنها سهوه ونسيانه، فقد روي عن الباقر أن آدم قد وهب ثلاثين سنة من عمره لداود لما رأي قصر عمره، فلما مضى عمر آدم هبط ملك الموت لقبض روحه فقال له آدم: يا ملك الموت أنه بقي من عمري ثلاثون سنة، فقال له ملك الموت: يا آدم ألم تجعلها لابنك داود النبي وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الانبياء من ذريتك وعرضت عليك أعمارهم، فقال آدم : ما اذكر هذا، فقال له ملك الموت: يا آدم لا تجحد، ألم تسال الله أن يثبتها لداود ويمحوها من عمرك فاثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر؟ قال آدم : حتى اعلم ذلك0

قال الباقر: وكان آدم صادقا لم يذكر ولم يجحد، فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل مسمي لنسيان آدم وجحوده ما جعل على نفسه .

وفي نوح رووا عن الصادق أنه قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس يأتون آدم فيدلهم على نوح فيقولون: سل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول: لست بصاحبكم إني قلت: إن ابني من أهلي ، اشارة إلى قوله تعالى:{ ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وأن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلني ماليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} إلى قوله:{ رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم والا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}[ هود /45-460] .

وهذا إبراهيم ذكروا في قوله تعالى:{ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم}.

عن الصادق أنه قال في قصة حشر الناس يوم القيامة ومجيئهم إلى إبراهيم للشفاعة فيقول: لست بصاحبكم إني قلت: إني سقيم .

ورووا عنه ايضا: أن عرفات سميت بعرفات لإعتراف إبراهيم بذنبه.

وعنه ايضا: أن ملك الموت أتاه ليقبضه فكره إبراهيم الموت 0

وللمزيد في شأن إبراهيم راجع الكلام في قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلمـا أفـل قـال لئن لم يهدني ربي لأكونن مـن القـوم الضـالين فلمـا رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما افلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون}[ الانعام/ 76- 78] . وقوله:{ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فأسئلوهم إن كانوا ينطقون} [ الانبياء/ 63]، وقوله:{ رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}[البقرة/ 260].

وقوله تعالى:{ وما كان إستغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم}[ التوبة/ 114].

وقال تعالى:{ يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك}[ هود/ 74-76 ] .

ورووا في قصة يوسف واخوته وقوله تعالى:{ قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده}الآية، إن يعقوب بعث بمكتوب إلى عزيز مصر يساله أن يخلي سبيله، فنزل جبرئيل على يعقوب فقال له: يا يعقوب ربك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر؟ قال يعقوب: بلوتني بها عقوبة منك وأدبا، قال الله: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري ؟ قال يعقوب: اللهم لا، قال: فما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري ولم تستغث بي وتشكو ما بكإلى؟ فقال يعقوب: استغفرك يا الهي وأتوب إليك واشكو بثي وحزني إليك، فقال الله تبارك وتعالى: قد بلغت بك يا يعقوب وبولدك الخاطئين العنايـة في أدبي، ولو كنـت يا يعقوب شكوت مصائبك إلى عنـد نزولها بك واستغفرت وتبت إلى من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري اياها ولكن الشيطان انساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي .

وهذا ابنه يوسف ، روى القوم عن الرضا أن يوسف شكى في السجن إلى الله فقال: يا رب بما استحققت السجن ؟ فأوحى الله إليه أنت إخترته حين قلت: رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه، هلا قلت: العافية أحب إلى مما يدعونني الية ؟ 0

وقوله لصاحبه في السجن:{ أذكرني عند ربك }[ يوسف/ 42].

حتى روى القوم في ذلك أن جبرئيل أتاه بعد قوله هذا فضربه برجله حتى كشط له الأرض السابعة، فقال له: يا يوسف أنظر ماذا ترى ؟ قال: أرى حجرا صغيرا ففلق الحجر فقال ماذا ترى ؟ قال: أرى دودة صغيره، قال فمن رازقها: قال: الله، قال: فإن ربك يقول لم انس هذه الدودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السابعة، اظننت إني انساك حتى تقول للفتى: أذكرني عند ربك، لتلبثن في السجن بمقالتك هذه بضع سنين، فبكا يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيطان فتأذى به أهل السجن فصالحهم على أن يبكي يوما ويسكت يوما وكان في اليوم الذي يسكت أسوء حالا .

وفي رواية: أن الله قال ليوسف: ألست حببتك إلى أبيك وفضلتك على الناس بالحسن ؟ أو لست الذي صرفت عنك كيد النساء ؟ فما حملك على أن ترفع رغبتك أو تدعو مخلوقا دوني، فألبث لما قلت في السجن بضع سنين .

وروى القوم في ذلك عن النبي أنه قال: عجبت من أخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق ؟ وفي رواية: لو لا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث .

ورووا أيضا أن رسول الله قال: لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر حين سئل عـن البقرات العجـاف والسمان، ولو كنـت مكانـه مـا أخبرتهـم حتى اشترط أن يخرجوني، وحين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لاسرعت الاجابة وبادرتهم الباب وما ابتغيت العذر .

ورووا أنه قال: رحم الله أخي يوسف لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لولاه من ساعته، ولكنه أخّر ذلك سنة .

ونختم هذا برواية القوم عن الصادق: لما أقبل يعقوب إلى مصر خرج يوسف ليستقبله، فلما رآه يوسف هم بأن يترجل ليعقوب ثم نظر إلى ماهو فيه من الملك فلم يفعل، فلما سلم على يعقوب نزل جبرئيل فقال له: يا يوسف إن الله تبارك وتعالى يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح ؟ ما أنت فيه ؟ ابسط يدك، فبسطها فخرج من بين أصابعه نور، فقال: ما هذا يا جبرئيل ؟، فقال: هذا أنه لا يخرج من صلبك نبي أبدا عقوبة لك بما صنعت بيعقوب اذ لم تنزل إليه0

للمزيد في شأن يوسف راجع الكلام في قوله تعالى:{ ولقد همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء أنه من عبادنا المخلصين} [يوسف/ 24] .

وقوله:{ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه والا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين}[يوسف/ 33] . وقوله:{ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} [يوسف/ 100] .

وقوله:{ إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}[ يوسف/ 55] .

وأيوب إذ أوحى الله إليه: هل تدري ما ذنبك إلى حين اصابك البلاء ؟ قال: لا، قال: إنك دخلت على فرعون فداهنت في كلمتين .

وعلى ذكر أيوب فقد ذكر القوم أن الأنبياء عليهم السلام سيكونون يوم القيامة على قلب أيوب في السلامة من الغل . فهل أن سواه لم يكونوا كذلك، وكذا من رواية القوم عن الصادق: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكير في الوسوسة في الخلق، والطيرة، والحسد، إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده .

و في موسى ذكر القوم عن الصادق كما في رواية حشر الناس يوم القيامة الذي مرّ بك فيأتون موسى فيقول: لست بصاحبكم إني قتلت نفسا .

اشارة إلى قتله للقبطي، وقول الله على لسانه:{ر هذا من عمل الشيطان} ، [القصص/ 15]، وقوله:{ رب إني ظلمت نفسي فإغفر لي}[القصص /60] .

وللمزيد في شأنة عليه السلام راجع القول في الآيات:{ إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فارسل إلى هارون ...}[ الشعراء /13].

وقوله تعالى:{ فأوجس في نفسه خيفة موسى }[طه/ 67].

وقوله: { يا ابن أم إن القوم إستضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين}[ الاعراف/150] . وقوله:{ لا تؤاخذني بما نسيت} ، [الكهف/ 73]. وقوله:{ ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا إطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} وشبيها به قوله في القصة التي يرويها القوم من اعطاء الله للصياد الكافر الرزق الوفير دون المؤمن فقال موسى : يا رب عبدك الكافر تعطيه مع كفره، وعبدك المؤمن لم تخرج له غير سمكة صغيره؟ .

و في داود، في قوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالـوا لا تـخف خصمان بغى بعضنا على بعض فأحكم بيننا بالحق ولا تشطط وأهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب}[ ص/ 21-26] .

روى القوم أنه خر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه الا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا ثم لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها، ثم يعود فيسجد أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه ويسأله التوبة .

وعن الصادق: أنه بكى حتى هاج العشب من دموعه وإن كان ليزفر الزفرة فيحرق ما نبت من دموعه. وكذا بكى أربعين صباحا لما أوحى الله إليه: إنك نعم العبد لو لا إنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئا. وفي الكافي: إن الله أوحى إلى داود: إني قد غفرت ذنبك وجعلت عار ذنبك على بني اسرائيل، فقال: كيف يارب وأنت لا تظلم؟ قال: أنهم لم يعاجلوك بالنكير 0 وفي تفسير القمي عن الصادق في قصة طويلة أخذنا منها مواضع الحاجة أن داود كان في محرابه يصلي، فإذا بطائر قد وقع بين يديه، فاعجبه جدا ونسى ماكان فيه، فقام لياخذه فطار الطائر فوقع على حائط بين داود وبين أوريا بن حنان، وكان داود قد بعث أوريا في بعث، فصعد داود الحائط ليأخذ الطير، وإذا إمرأة أوريـا جالسة تغتسل، فلما رات ظل داود نشرت شعرها وغطت به بدنها، فنظر داود إليها وافتتن بهـا ورجـع إلى محرابـه ونسى ما كان فيه، وكتب إلى صاحبه في ذلك البعث أن ضع التابوت بينك وبين عدوك، وقدم أوريا بن حنان بين يدي التابوت، فقدمه وقتل، ثم بعث الله إليه الخصم إذ تسوروا المحراب، فلما قال داود: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، إلى قوله وخر ساجدا وأناب، قال: فضحك المستعدي عليه من الملائكة ( وكانا ملكان): حكم الرجل على نفسه، فقال داود: أتضحك وقد عصيت لقد هممت أن اهشم فاك، قال: فعرجا، وقال المستعدي عليه: لو علم داود أنه أحق بهشم فيه مني، ففهم داود وذكر القضية فبقى أربعين يوما ساجدا يبكي ليله ونهاره، ولا يقوم إلا وقت الصلاة حتى انخرق جبينه وسال الدم من عينه، فأوحى الله إليه: تب يا داود، فقال: أي رب وأنى لي بالتوبة ؟ قال: صر إلى قبر أوريا حتى ابعثه إليك واساله أن يغفر لك فإن غفر لك غفرت لك، قال: يارب فـإن لم يفعـل؟ قال: استوهبك منـه، فخرج إليـه، فمـر بجبل عليه نبي عابد يقال له حزقيل، فقال: هذا النبي الخاطيء، فقال داود: يا حزقيل أتأذن لي أن اصعد إليك؟ قال: لا، فإنك مذنب، فبكي داود فأوحى الله إلى حزقيل: يا حزقيل لا تعير داود بخطيئته، وسلني العافية، ثم مضى داود حتى أاتى قبر أوريا فناداه فلم يجبه، ثم ناداه ثانية فلم يجبه، ثم ناداه ثالثة فقال أوريا: مالك يا نبي الله لقد شغلتني عن سروري وقرة عيني؟ قال: يا أوريا اغفر لي وهب لي خطيئتي، فأوحى الله: يا داود بين له ما كان منك، فناداه داود فأجابه في الثالثة فقال: يا أوريا فعلت كذا، وكذا، قال أوريا: أيفعل الأنبياء مثل هذا ؟ فناداه فلم يجبه، فوقع داود على الأرض باكيا، فأوحي الله إلى صاحب الفردوس ليكشف عنه، فكشف عنه، فقال أوريا: لمن هذا ؟ فقال: لمن غفر لداود خطيئته، فقال: يارب قد وهبت له خطيئته .

وكذا شأن ابنه سليمان . فقد روى القمي في تفسيره، في قول الله: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق} [ص/ 30 - 33]. إن سليمان كان يحب الخيل ويستعرضها، فعرضت يوما إلى أن غابت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فاغتم من ذلك غما شديدا، فدعا الله أن يرد عليه الشمس حتى يصلي العصر، فرد الله سبحانه عليه الشمس إلى وقت العصر حتى صلاها، ثم دعا بالخيل فاقبل يضرب أعناقها وسوقها بالسيف حتى قتلها كلها . فظاهر هذا كله انشغاله بالخيل حتى ألهاه وشغله عن ذكر ربه وفاتته الصلاة مما اضطره إلى قتل الخيل كلها وهي لا ذنب لها.

وفي قوله : لأطوفن الليلة على مائة إمرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا إمرأة واحدة بشق ولد، ذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فوالذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا، ثم أناب إلى الله تعالى وفزغ إلى الصلاة 0

ومنها قوله تعالى مخبرا عنه :{ رب إغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب}[ ص/ 34]، فقد روى القوم عن الكاظم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: رحم الله أخي سليمان بن داود ما ابخله0

وذكروا أنه كان يفتقر إلى علم غيره حتى الحيوانات، فهذه نملة تقول له كما يروي القوم ذلك عن الصادق: أنت أكبر أم أبوك داود؟ قال سليمان: بل أبي داود، قالت النملة: فلم زيد في حروف اسمك حرف على حروف اسم أبيك داود؟ قال سليمان: مالي بهذا علم، قالت النملة: لأن أباك داود داوى جرحه بود فسمي داود، وأنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك0 ثم قالت النملة: هل تدري لم سخرت لك الريح من بين سائر المملكة ؟ قال سليمان: ما لي بهذا علم00الرواية .

وفي رواية أن النملة قالت: هل علمت لم سمي أبوك داود؟ فقال: لا، قالت: لأنه داوى جرحه بود، هل تدري لم سميت سليمان ؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم ركنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك، وآن لك أن تلحق بأبيك .

وعلى أي حال لا يسعنا حصركل ما أورده القوم في شأن الأنبياء عليهم السلام والذي يتعارض مع عقيدة العصمة، فإن ذلك سيخرجنا عن موضوع الكتاب من جهة، ويخرجنا عما التزمنا به من الايجاز من جهة أخرى.

ثم إننا سوف نورد روايات أخرى لاحقا، ولكن الحق أن كل ما ذكرناه قد لا نلزم به القوم بإعتبار أن الأئمة أفضل من الأنبياء عندهم ، وإنما أوردنا ذلك لما قد علمت من إن قولهم في عصمة الأئمة هو ذات القول في الأنبياء عليهم السلام، لذا نجد لزاما أن نورد بعضا مما ينافي العصمة المذكورة عن أصحاب الكساء، إذ بها يتحقق المقصود0

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

نبدأ بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، إذ روى القوم عن الصادق في شأن قوله تعالى:{ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك وأتق الله وتخفي ما في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه{ [الأحزاب/ 37]، إن زيد بن حارثة أبطأ يوما عن رسول الله - وكان قد زوجه من زينب بنت جحش - فأتى رسول الله منزله يسأل عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر - وفي رواية -تغتسل - فنظر إليها وكانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقي. وفي رواية -سبحان الذي خلقك - ثم رجع رسول الله إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا، وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله ، فقال زيد: هل لك أن اطلقك حتى يتزوجك رسول الله فلعلك قد وقعت في قلبة ؟ فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله فجاء زيد إلى رسول الله فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرتني زينب بكذا وكذا، فهل لك أن اطلقها حتى تتزوجها ؟ فقال رسول الله : لا ، اذهب فاتق الله وامسك عليك زوجك، فأنزل الله هذه الآيات .

وروايات نظر النبي إلى النساء أمثال هذه النظرة كثيرة عند القوم، نذكر منها أيضا:

عن الصادق: قال: رأى رسول الله إمرأة فاعجبته فدخل على أم سلمة وكان يومها فأصاب منها، فخرج إلى الناس ورأسه يقطر، فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان، فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله .

والغريب أن القوم أوردوا في النهي عن إتيان الأهل في هذا الحال روايات عدة .

نعود إلى حديثنا، وفي سبب نزول قوله تعالى:{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}[ النحل/ 126] .

أن رسول الله لما رأى مصرع حمزة يوم أحد قال: لئن أمكنني الله من قريش لاقتلن سبعين رجلا منهم، وفي رواية – لئن ظفرت لامثلن ولا مثلن0

وقال تعالى:{ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف/ 23] .

وذلك أن رسول الله أتاه أناس من اليهود فسألوه عن أشياء فقال لهم: تعالوا غدا أحدثكم ولم يستثن فاحتبس جبرئيل أربعين يوما ثم أتاه فقال: ولا تقولن00الآية

والروايات في آيات عتاب الله لنبيه كثيرة، كقوله تعالى:{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم }[ الانفال/ 67-68] وقوله:{ عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} [التوبة/ 43]، حيث أذن صلى الله عليه وآله وسلم لقوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد .

وقوله:{ عبس وتولى أن جاءه الاعمى وما يدرك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى}[عبس/ 1-4] وقوله:{ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} [آل عمران/ 60] وقوله:{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكـن للخائنين خصيمـا واستغفـر الله إن الله كان غفـورا رحيمـا

ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما}[ النساء/ 105-107] .

وقوله:{ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك}[ النساء/ 112] .

هذا ما كان من شأن القرآن، أما الروايات فحدث ولا حرج، وإليك بعضها: نبدأ ذلك بذكر ما يدل على جواز نسيانه وسهوه ، وهو كما علمت خلاف ما عليه القوم كما مرّ بك عند ذكرنا لعقيدة القوم في عصمة الأنبياء والأئمة، يقول الله :{ وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وأما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [ الانعام/ 68] .

ويقول تعالى:{ وأذكر ربك إذا نسيت}[ الكهف/ 24].

ويقول:{ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} [الأعلى/ 6-7] 0

ويقول شيخهم الصدوق: أن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي ، وذكر أن شيخه ابن الوليد يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي ولو جاز أن ترد الأخبار الوارده في هذا المعني لجاز أن نرد جميع الأخبار وفي ردها ابطال الدين والشريعة، وأنا احتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي والرد علي منكريه .

وقد تعرض شيخهم الصدوق بسبب قوله هذا إلى انتقادات شديدة وتشنيعات كثيرة من القوم ليس هذا مكان بيانه، وانما سنورد بعض الروايات التي تنافي العصمة من طرق القوم لتجد الاضطراب الحاصل عندهم بنفسك، عن جميل قال: سألت أباعبدالله عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: يستقبل الصلاة، قلت: فيما يروي الناس، فذكر له حديث ذي الشمالين، فقال: أن رسول الله لم يبرح من مكانه، ولو برح استقبل . وعن أبي بصير قال: سألت أباعبدالله عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: استقبل الصلاة، قلت: فما بـال رسول الله م يستقبل حين صلى ركعتين، فقال: إن رسول لم ينفتل من موضعه . وعن الحارث بن المغيره قال: قلت لأبي عبدالله: أنا صلينا المغرب فسها الإمام فسلم في الركعتين فاعدنا الصلاة، فقال: لم اعدتم؟ أليس قد انصرف رسول الله في الركعتين فأتم بركعتين، الا أتممتم .

وعنه ايضا قال: إن رسول الله سها فسلم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذي الشمالين، فقال: ثم قام فأضاف إليها ركعتين .

وعن علي قال: صلى بنا رسول الله الظهر خمس ركعات، ثم انفتل، فقال له بعض القوم: يارسول الله هل زيد في الصلاة شيء؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات، قال: فاستقبل القبلة وكبر وهـو جالس، ثم سجـد سجـدتين ليس فيهمـا قراءة ولاركوع ثم سلم، وكان يقول: هما المرغمتان.

والمضحك حمل القوم أمثال هذه الروايات على التقية !!!

فهل أن علي في الرواية الأخيرة مثلا اختلق وألف تلك القصة تقية ؟!!

فأما أن تكون القصة قد وقعت فيتحقق بها المقصود. وأما أن يكون علي قد اختلقها، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين0 وعن زيد الشحام قال: إن نبي الله صلى بالناس ركعتين، ثم نسى حتى انصرف، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء ؟ فقال: أيها الناس اصدق ذو الشمالين ؟ فقالوا: نعم لم تصل إلا ركعتين، فقام فأتم ما بقي من صلاته . وفي رواية أخرى: فقال: وما ذاك ؟ فقال: إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله : أتقولون مثل قوله؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله فأتم بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو .

وعن الصادق: قال: أن رسول الله رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين استيقظ، ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى. وعن الباقر قال: صلى النبي صلاة وجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال لأصحابه: هل اسقطت شيئا في القرآن؟ قال: فسكت القوم، فقال النبي : أفيكم أبي بن كعب؟ فقالوا: نعم، فقال: هل اسقطت فيها شيئا ؟ قال: نعم يا رسول الله أنه كان كذا وكذا00الحديث .

وعن الفضيل قال: ذكرت لأبي عبدالله السهو، فقال: وينفلت من ذلك أحد؟ ربما اقعدت الخادم خلفي يحفظ علي صلاتي0

والروايات في الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية .

ونختمها برواية الهروي قال: قلت للرضا: يا ابن رسول الله أن في سواد الكوفة قوما يزعمون أن النبي لم يقع عليه السهو في صلاتة، فقال: كذبوا لعنهم الله، أن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو .

ولا يفوتك مصدر أمثال هذة العقائد0هذا ما كان من شأن سهوه ، وكما ذكرنا فقد اعرضا عن ذكر الكثير من الروايات في ذلك وكذا ماكان من شأن بقية الأنبياء عليهم السلام في ذلك.

ولنتكلم الآن في باب آخر مما يتعارض مع معتقد القوم في العصمة، وهو قصه سحر النبي 0فقد ذكرت الروايات عن علي ان لبيد بن اعصم اليهودي قد سحر النبي ، فأقام ثلاثا لا يأكل ولايشرب ولايسمع ولايبصر ولايأتي النساء، فنزل عليه جبرئيل ونزل معه بالمعوذتين فقال له: يا محمد مـاشأنك ؟ قال: مـا أدري أنـا بالحال الذي ترى، ثم أخبره بقصة سحر ابن اعصم له

وفي رواية عن الصادق: وكان يرى أنه يجامع وليس يجامع وكان يريد الباب ولا يبصره حتى يلمسه بيده 0

ومثلها في بدء الدعوة حيث كان يقول لخديجة رضي الله عنها: قد خشيت أن يكون خالط عقلي شيء – وفي لفظ: لقد خشيت على عقلي .

ويبدو أن القوم أكثر دراية من النبي عن نفسه، فهم يرون عصمتة من كل ذلك منذ مولده إلى وفاته كما مرّ بك، بينما هولم يعرف ذلك عن نفسه0

ومن الروايات الأخرى التي تتعـارض مـع اعتقادهم في عصمتة بحسب تأويلهـم مـا زعمـوه أنه لمـا فتر عنــه الوحي جزع جزعا شديدا، فقالت له خديجة: لقد قلاك ربك .

ومنها قوله مرة لليهود: يا إخوة القردة والخنازير، فقالوا له: يا أبا القاسم ما كنت جهولا ولا سبابا، فاستحيى رسول الله ورجع .

وفي رواية قال الصادق: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداؤه من خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياء مما قال لهم 0 ومنها ما كان منه يوم فتح مكة حيث اخرج أصناما من المسجد، وكان منها صنم على المروة، وطلبت إليه قريش أن يتركه وكان استحيا فهم بتركه، ثم أمر بكسره فنزلت هذه الآية:{ ولولا أن ثبتناك لقد كدت أن تركن إليهم شيئا قليلا}0

ومنها أمره لعلي بقتل القبطي على التهمة بغير بينة في قصة الافك كما يرويها القوم، حتى تبين لعلي براءته 0 ومنها ما جاء في سورة التحريم، وملخصها في بعض الروايات أن حفصة بنت عمر قالت: يا رسول الله إن لي إلى أبي حاجة، فأذن لها أن تزوره، فلما خرجت أرسل رسول الله إلى جاريته مارية القبطية وكان قد اهداها له المقوقس فادخلها بيت حفصة فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب فخرج رسول الله ووجهه يقطر عرقا، فقالت حفصة: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لى حرمة وحقا ؟ فقال: أليس هي جاريتي قد أجل الله ذلك لي؟ أسكتي فهي حرام عليّ، التمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن. وفي رواية: أن النبي خلا في يوم لعائشة مع جاريته أم إبراهيم فوقفت حفصة على ذلك فقال لها رسول الله : لا تعلمي لعائشة ذلك، وحرم مارية على نفسه، فنزل قوله تعالى:{ يـأيها النبي لم تحرمما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم}[ التحريم/ 1]0

ومنها، زعمهم أنه لما بعث أبابكر ببراءة إلى أهل مكة، أنزل الله عليه: تترك من ناجيته غير مرة وتبعث من لم أناجة ؟ فأرسل رسول الله فأخذ براءه منه ودفعها إلى علي فقال أوصني يا رسول الله، فقال له: إن الله يوصيك ويناجيك، قال: فناجاه يوم براءة قبل صلاة الأولى إلى صلاة العصر.

وتذكرني هذه الرواية بالمثل القائل: كالمستجير من الرمضاء بالنار فافهم0

ومنها أنه جاع جوعا شديدا فأتى الكعبة فتعلق باستارها فقال: رب محمد لا تجع محمدا أكثر مما اجعته، فهبط جبرئيل عليه بورقة خضراء مكتوب فيها: ما انصف الله من نفسه من اتهم الله في قضائه واستبطأه في رزقه .

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأئمة

وأما علي رضي الله عنه فإليك بعضا مما يتعارض من فعله وقوله وما يدعيه القوم له: منها اعترافه بذنبه، وخوفه من سلامة دينه والروايات في ذلك كثيرة، كقوله: إلهي كيف أدعوك وقد عصيتك . وقوله: إلهي كم من موقبة حلمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك، إلهي افكر في عفوك فتهون على خطيئتي، ثم اذكر العظيم من أخذك فتعظم على بليتي، آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء، آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهبات لظى، ثم قال لأبي الدرداء: فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وايقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد اسلمني الاحباء ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية 0

وسئل: كم تتصدق ؟ كم تخرج مالك ؟ إلا تمسك؟ قال: إني والله لو اعلم أن الله تعالى قبل مني فرضا واحدا لأمسكت، ولكني لا أدري أقبل سبحانه مني شيئا أم لا .

وعندما أخبره بمقتله قال: يا رسول الله في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك .

وكان يقول: اسال الله أن لا يسلبني ديني ولا ينزع مني كرامته .

وتمنى أنه من الأربعة الذين قال فيهم رسول الله إن الجنة تشتاق إلى أربعة، فقال: والله لاسألنه فإن كنت منهم لأحمدن الله وإن لم أكن منهم لاسألن الله أن يجعلني منهم ولا زال رسول الله يخبره بغفران الله لذنوبه.

ففي رواية أنه خرج يوم عرفة وهو آخذ بيد فقال: يا معشر الخلائق ان الله تبارك وتعالى باهى بكم في هذا اليوم ليغفر لكم عامة، ثم التفت إلى علي فقال له: وغفر لك يا علي خاصة .

فالمغفرة تقتضي الذنوب، وصرف الثاني عن ظاهره يقتضي بالضرورة صرف الاول، فتأمل وقال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين علي بن أبي طالب ؟ فيؤتى به فيحاسب حسابا يسيرا . فلا غرابه إاذاً أن يردد ويقول: لا تكفوا عن مقاله بحق أو مشوره بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن اخطيء ولا آمن من ذلك من فعلي .

فهو لم يدع العصمة لنفسه أصلا ولا إدعاها له أحد من أصحابه، ولا زال أصحابه يخالفونه في كثير من أفعاله وأقواله . ولم يكن يحتج عليهم بأنه معصوم، بل كثيرا ما يردد: اسمعوا مني ما أقول لكم فإن يكن حقا فاقبلوه وإن يكن باطلا فأنكروه .

وفي رواية: فإن قلت حقا صدقتموني وإن قلت باطلا ردوا عليّ ولا تهابوني، إنما أنا رجل كأحدكم . وفي أخرى: إنما أنا رجل منكم فإن قلت حقا فصدقوني وإن قلت غير ذلك فردوه علي . وكان يفتقر إلى آراء أصحابه، ويستشيرهم، فلما كتب إليه معاوية إن كنت تريد الصلح فامح عنك اسم الخلافة، استشار بني هاشم .

وفي رواية قال الاحنف بن قيس: لا تمح هذا الإسم فإني أتخوف أن محوته لا يرجع إليك أبدا، فامتنع من محوه فتراجع الخطاب فيه مليا من النهار فقال الاشعث بن قيس: امح هذا الإسم نزحه الله . وكان يقول لطلحة والزبير: لو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه، ولا في السنة برهانه واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه.

ولما أراد المسير إلى الشام دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار فجمعهم ثم حمد الله واثنى عليه وقال: أما بعد فإنكم ميامين الرأي مراجيح الحلم مباركوا الأمر مقاويل بالحق وقد عزمنا على المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم، فقام هشام بن عتبة وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن حنيف فصوبوا رأيه وبذلوا إليه نصرته .

فلم يكن يرى أبدا أنه معصوم مستغني عن المشورة غيره وكذا أصحابه .

وإليك المزيد، لما سار إلى معاوية بصفين مكث أياما لا يرسل إلى معاوية أحدا ولا يأتيه من عنده أحد، قال أهل العراق: يا أمير الؤمنين خلفنا نساءنا وذرارينا بالكوفة وجئنا إلى أطراف الشام أنتخذها وطنا، فأذن لنا بالقتال فإن الناس يظنون إنك تكره الحرب كراهية الموت ومنهم من يظن إنك في شك من قتال أهل الشام .

وهذا هاشم لما صرع في صفين مرّ على رجل فقال وهو صريع بين القتلى: إقرئ أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وقل له انشدك الله ألا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بارجل القتلى فإن الدبرة تصبح غدا لمن غلب على القتلى فأخبر الرجل علياً بذلك فسار علي في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره وكانت الدبرة له عليهم .

ولما أراد المسير إلى الشام اجتمع إليه وجوه أصحابه فقالوا: لو كتبت يا أمير المؤمنين إلى معاوية وأصحابه قبل مسيرنا إليهم كتابا تدعوهم إلى الحق وتأمرهم بما لهم من الحظ تزداد عليهم قوة، فكتب إليه . ولما عزم على الخروج من الكوفة إلى الحرورية وكان في أصحابه منجم فقال له: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد وإن سرت في الساعة التي أمرتك به ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت .

وكذا ما كان من قصة قيس بن سعد وتلفيق معاوية كتابا ونسبته إليه فقراه على أهل الشام، فشاع في الشام كلها إن قيسا صالح معاوية وأتت عيون علي إليه بذلك فأعظمه وأكبره وتعجب له ودعا ابنيه حسنا وحسينا وابنه محمدا وعبدالله بن جعفر فاعلمهم بذلك وقال ما رأيكم فقال عبدالله بن جعفر: دع ما يريبك إلى مالا يريبك اعزل قيسا من مصر، قال علي: والله إني غير مصدق بهذا على قيس فقال عبدالله: اعزله يا أمير المؤمنين فإن كان حقا ما قد قيل لا يعتزلك إن عزلته .

وكذا إختلاف أصحابه عليه بعد رفع المصاحف في صفين فمن قائل بالقتال ومن قائل بالمحاكمة إلى الكتاب، حتى قال: إنها كلمة حق يراد بها باطل أنهم مارفعوها وأنهم يعرفونها ولا يعملون بها ولكن الخديعة والوهن والمكيدة اعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلا أن يقطع دابر الظالمين، فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم وقد اسودت جباههم من السجود يتقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه بإسمه لا بإمرة المؤمنين قالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب اللهإذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان فوالله لنفعلنها إن لم تجب - فحاول اقناعهم فأبوا وقالوا: فأبعث إلى الأشتر ليأتيك .

وكان يقول في ذلك: فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي فظنوا أن ابن أكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه فاصغوا إلى دعوته واقبلوا باجمعهم في إجابته فاعلمتهم إن ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه وانهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء فلم يقبلوا ولم يطيعوا أمري وأبو إلا أجابته كرهت أم هويت شئت أو أبيت حتى أخذ بعضهم يقول: إن لم يفعل فالحقوه بابن عفان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته .

حتى مالك بن الأشتر وهو من أعاظم أصحابه والذي سألوه أن يبعث إليه ليأتيه لم يكن يختلف عنهم في عدم القول بعصمة علي أو أنه لا يفتقر إلى آرائهم بل كان يرى جواز مخالفته شأنه في ذلك شأن سائر الناس.

وإليك بعضا مما يدل على ذلك. ففي قصة التحكيم بين الأمير ومعاوية واضطراره إلى اختيار أبي موسى الأشعري قال: والله ما كان عندي بمؤتمن ولا ناصح ولقد أردت عزله فأتاني الأشتر فسألني أن أقره على كره مني.

ولما أراد أن يبعث جريرا إلى معاوية قال له الأشتر: لا تبعثه ودعه ولا تصدقه فوالله إني لأظـن هـواه هواهم ونيته نيتهم، ولما رجـع مـن عند معاوية كثر قول الناس في التهمة له

واجتمع جرير والاشتر عند علي فقال الأشتر: أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى من خناقه وأقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو روحه إلا فتحه أو يخاف غمه إلا سده، وقال: أليس نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا وأخبرتك بعداوته وغشه فخرج علي إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه وخرج أبو زرعة بن جرير وقال: أصلحك الله إن فيها أيضا لغير جرير ....

وفي موقف آخر كلمه الأشتر بكلام يحضه على أهل الوقوف فكره ذلك علي حتى شكاه، فمازال به حتى قال له: يا مالك دعني، فقال الاشتر: دعني يا أمير المؤمنين اوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك، فقال له علي: كف عني، فانصرف الاشتر وهو مغضب .

وغضب عليه أيضا لما ولى بني العباس على الحجاز واليمن والعراق، فقال له الاشتر: فلماذا قتلنا الشيخ بالامس - أي عثمان - ولما بلغ عليا مقولته احضره ولاطفه وأعتذر إليه . والروايات في خلاف الاشتر مع علي واعتراضه وفرض آرائه عليه كثيرة، حتى قال أصحابه له: هل نحن إلا في حكم الاشتر .

ولا ينتهي خلاف أصحابه، ففي التحكيم أصروا على أبي موسى الأشعري رغم كراهته لذلك حتى قال: فأجبتكم كارها ولو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما اجبتكم ، حتى قال: إن عامة من معي يعصيني .

إلى أن أقر بأنه رضي الله عنه قد فقد السيطرة عليهم، فنراه يقول: أيها الناس أنه لم يزل أمري معكـم على مـا أحب حتى نهكتكـم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت وهي لعدوكم

انهك ولقد كنت بالامس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا وكنت أمس ناهيا فاصبحت اليوم منهيا 0

فهل ترى من كل هذا مكانا للعصمة التي يدعيها القوم فإن أبى القوم إلا غياب ذلك عن الأصحاب، فهاكها من أهله بل ومن أصحاب الكساء ، فها هو ابنه الحسن لما كان من أمر خروج طلحة والزبير وعائشة بكى بين يدي أبيه وقال: يا أمير المؤمنين إني لا استطيع أن أكلمك وبكى فقال له أبوه: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية، فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه أما ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة، ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما، وأنا اليوم اسألك أن لا تقدم العراق واذكرك بالله أن تقتل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين: أمـا قولك: إن عثمـان حصر، فمـا ذاك ومـا عليّ منـه وقـد كنـت بمعزل عـن

حصره،وأما قولك: ائت مكة فوالله ما كنت لأكون الرجل الذي يستحل به مكة، وأما قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير فوالله ما كنت لأكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إربا إربا 0

وفي إحدى مواقف صفين رأى الحسن من أبيه تهورا قال له: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى أصحابك، فقال: يا بني إن لأبيك يوما لن يعدوه . فانظر من تصوب ومن تخطيء ، وبأيهما أخذت يتحقق مقصودنا .

وهذا عبدالله بن جعفر ذو الجناحين لما بلغ الأمير مقتل محمد بن أبي بكر، جزع عليه جزعـا شديدا وقال: ما اخلـق مصـر أن يذهب آخر الدهـر فلوددت إني وجدت

رجلا يصلح لها فوجهته إليها فقال - أي عبدالله بن جعفر - تجد، فقال: من؟ فقال: الاشتر، قال: ادعه لي 0

فكيف غاب عنه رجل كالاشتر وهو من هو كما مرّ بك0

وكان من أهل البيت من يستحل خيانته. ففي كتاب إلى عبدالله بن عباس قال: أما بعد فإني كنت اشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الامانة إلى فلما رأيت الزمان علي ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب وأمانة الناس قد خزيت وهذه الأمة قد فتكت وشغرت قلبت لإبن عمك ظهر المجن ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين فلا ابن عمك آسيت ولا الأمانة أديت وكانك لم تكن الله تريد بجهادك وكأنك لم تكن على بينه من ربك وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم وتنوي غرتهم عن فيئهم فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة اسرعت الكرة وعاجلت الوثبة فاختطفت ما قدرت عليه مـن أموالهم المصونة لاراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة فحملته إلى الحجـاز رحيب الصـدر بحملـه غير متاثم مـن أخـذه كأنك لا أبـا غيرك حدرت على أهلك تراثك من أبيك وأمك، فسبحان الله اما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف من نقاش الحساب؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم إنك تأكل حراما وتشرب حراما ؟ وتبتاع الإماء وتنكح النسـاء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال واحرز بهم هذه البلاد، فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار، والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل فعلك الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وازيح الباطل عن مظلمتهما

فهل رأى ابن عباس عصمة ابن عمه وهو يقول ما مر بك ليثوب إلى رشده ويستغفر ربه، أم لم يجد في كلامه سوى مجتهد مخطيء لا عصمة لقوله ولا رداء لفه حوله النبي فاذهـب عنه الرجس فلا ينطـق إلا حقـا كما يزعمون، أنظر مـا كان من رده على

علي: أما بعد فقد أتاني كتابك تعظم على ما أصبت من بيت مال البصرة ولعمري إن حقي في بيت المال لأكثر مما أخذت والسلام ، فكتب إليه علي: أما بعد فإن من العجب إن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين فقد افلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ويحل لك المحرم إنك لأنت المهتدي السعيد اذا، وقد بلغني إنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف تختارهن عليّ عينك وتعطي فيهن مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك وتب إلى الله ربك واخرج إلى المسلمين من أموالهم فعما قليل تفارق من الفت وتترك ما جمعت وتغيب في صدع الأرض غير موسد ولا ممهد قد فارقت الأحبـاب وسـكنـت التراب وواجهـت الحساب غنيـا عمـا خـلفـت فقـيرا إلى مـا قدمـت والـسلام فرد عليه ابن عباس: أما بعد فإنك قد أكثرت عليّ ووالله لأن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلها من ذهبها وعقيانها ولجينها أحب إلى من أن القاه بدم امرء مسلم والسلام . فها أنت ترى أن ابن عمه لا يرى فيه ما يراه القوم له وأهل مكة أدرى بشعابها، فلذا فليس من العجيب أن يأمر معاوية علياً بالتقوي فيرد عليه: فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها واستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالاثم . وكذا فعل مع الخوارج لما أمروه أن يستغفر الله ويتوب إليه بعد التحكيم فقال: أنا استغفر الله من كل ذنب.

عاد بنا الحديث إلى ذكر ما ينافي القول بالعصمة، ونورد هنا بعض الروايات المختلفة ففيهـا زيادة على بيان المقصود: منهـا أنه أخذ جارية من غنائم أحد السرايا قبل القسمة فأنكر عليه ذلك من كان معه فشكوه إلى رسول الله القصة

ويروي القوم عن الرضا: أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور، والغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل القسمه

ومنها أنه حمل الأمير على فرس فقال: بأبي أنت وأمي، مالي وللخيل ؟ أنا لا اتبع أحدا ولا أفر من أحد وإذا ارتديت سيفي لم اضعه إلا للذي ارتدي له

ومنها قتله للاعرابي الذي ادعى على النبي بسبعين درهما ثمن ناقة وكان قـد استوفاهـا لـه، فقال لـه: ياعلي لم قتلـت الاعرابي ؟ قال: لأنه كذبك يارسول الله ومن كذبـك فقد حـل دمـه ووجب قتلـه، فقـال النبي: يا علي والـذي بعثني بالـحق نبيـا مـا اخطأت حكم الله تبارك وتعالى فيه، ولا تعد إلى مثلها

ومنها أغتمامه لإقامته حدود الله، حـيث قضى في رجل كندي بقطـع يـده، وذلك أنه سرق، وكان الرجل من أحسن الناس وجها وانظفهم ثوبا، فقال علي: ما أرى من حسن وجهك ونظافة ثوبك ومكانك من العرب تفعل مثل هذا الفعل فنكس الكندي، ثم قال: الله الله في أمري يا أمير المؤمنين، فلا والله ماسرقت قط غير هذه الدفعة، فقال له: ويحك قد عسى أن الله العلي الكريم لا يؤاخذك بذنب واحد اذنبته إن شاء، فبكى الكندي فأطرق أمير المؤمنين مليا ثم رفع رأسه وقال: ما أجد يسعني إلا قطعك، فاقطعوه، فبكي الكندي، وتعلق بثوبه فقال: الله الله في عيالي، فانك أن قطعت يدي هلكت وهلك عيالي، وإني أعول ثلاثة عشر عيالا مالهم غيري، فاطرق مليا ينكت الأرض بيده، ثم قال: ما أجد يسعني إلا قطعك، اخرجوه فاقطعوا يده، فلما وقعت يده المقطوعة بين يدي أمير المؤمنين قـال الكندي: والله لقـد سرقت تسعـة وتسعين مـرة، وإن هذه تمام المائة، كل ذلك يستر الله عليّ، فقال علي: لقد فرج عني، قد كنت مغموما بمقالتك الأولى

وكذلك خدعه معاوية مرة عندما بلغه ان النجاشي هجاه، فدس قوما شهدوا عليه عند علي أنه شرب الخمر، فاخذه علي فحده، فغضب جماعة على علي في ذلك.

وكذلك همه بقطع يد رجل بريء اتهم بالسرقه .

ومنها تعطيله لبعض حدود الله وقوله مثلا لرجل أقر باللواط بزعم القوم: قم ياهذا فقد ابكيت ملائكة السماء وملائكة الأرض، فإن الله قد تاب عليك، فقم ولا تعاودن شيئا مما قد فعلت .

ومنها، تحريمه بعض ما أحل الله حتى أنزل الله فيه قوله تعالى:{ يـأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله}[ المائدة /87].

ومنها، خوفه من السلام على الشابة وكان يقول: اتخوف أن تعجبني صوتها فيدخل على أكثر ما اطلب من الأجر.

ومنها جهله ببعض أحكام الحج . وجهله بحكم المذي حتى ارسل من يسأل النبي حياء لمكان فاطمة رضي الله عنها.

فانظر متى كان زواجه منها ومتى كان سؤاله وماذا كان يفعل قبل علمه بالحكم، ومنها إختلاف القضاء عنه.

ومنها دخوله يوما على فاطمة وبه كآبة شديدة فقالت له: يا علي ما هذه الكآبة؟ فقال: سألنا رسول الله: متى تكون المراة أدنى من ربها ؟ فلم ندر.

وسئل مرة ولم يجب فقيل له كنت عهدناك إذا سئلت عن المسألة كنت فيها كالسكة المحماة جوابا، فما بالك ابطأت اليوم عن جواب هذا الرجل حتى دخلت الحجرة ثم خرجت فأجبتة؟ فقال: كنت حاقنا، ولا رأي لحاقن . ومنها أن رسوله قال له: يا علي إن فاطمة بضعة مني وهي نور عيني وثمرة فؤادي يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها وإنها أول من يلحقني من أهل بيتي فأحس إليها بعدي، وأما الحسن والحسين فهما ابناي وريحانتاي وهما سيدا شباب أهل الجنة فليكرما عليك كسمعك وبصرك.

ومثلها للزهراء . فعن الصادق قال: أوحى الله تعالى إلى رسوله: قل لفاطمة لا تعصي علياً فإنه أن غضب غضبت لغضبه.

فلا شك أن صدور أمثال هذه التحذيرات بل ونزول وحي فيه لا يسعف القوم فيما ذهبوا إليه من القول بالعصمة. ولعلك من قراءة ماسيأتي ستقف عليى ما إذا كان الأمير والزهراء قد أخذا بتلك الوصايا أم لا عن معاوية قال: دخل الحسن بن علي على جده وهو يتعثر بذيله فأسر إلى النبي سرا فرأيته وقد تغير لونه، ثم قال النبي حتى أتى منزل فاطمة فأخذ بيدها فهزها إليه هزا قويا ثم قال: يا فاطمة إياك وغضب علي فإن الله يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ثم جاء علي فأخذ النبي بيده ثم هزها إليه هزا خفيفا ثم قال: يا اباالحسن إياك وغضب فاطمة فإن الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها، فقلت: يارسول الله مضيت مذعورا وقد رجعت مسرورا، فقال: يا معاوية كيف لا أسر وقد اصلحت بين إثنين هما أكرم الخلق على الله .

وعن أبي سعيد الخدري: دخل رسول الله وعلي على فاطمة فقال: عشينا غفر الله لك وقد فعل، فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي النبي وعلي بن أبي طالب، فلما نظر علي إلى الطعام وشم ريحه رمى فاطمة ببصره رميا شحيحا، قالت له فاطمة: سبحـان الله مـا اشح نظـرك وأشده هـل أذنبت فيما بيني وبينك ذنبـا استوجبت بـه السخطة ؟ قال: وأي ذنب اعظم من ذنب أصبته أليس عهدي إليك اليوم الماضي وأنت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاما مذ يومين ؟ . والقصة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة

وفي قصة أخرى شبيهه بقصتنا هذه، قال: يا فاطمة من أين لك هذا ؟ ولم يكن عهد عندنا شيئا، فقال له النبي: كل يا اباالحسن ولا تسأل

وعن الباقر: تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، فقالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله تحمل رقاب الرجال . وكان كثيرا ما يصلح بينهما وكان يخرج من بيتهما فرحا ويسأل عن ذلك فيقول: كيف لا افرح وقد اصلحت بين اثنين أحب أهل الأرض إلى اهل السماء وعن سلمان قال: قالت فاطمة رضي الله عنها لرسول الله: فوالذي بعثك بالحق مالي ولعلي منذ خمس سنين إلا مسك كبش نعلف عليها بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه وإن مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف.

وعن جابر في ذكر قصة حج النبي قال: وقدم علي من اليمن ببدن النبي فوجد فاطمة فيمن أحل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر علي ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، وكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله محرشا على فاطمة بالذي صنعت، مستفتيا رسول الله بالذي ذكرت فأنكرت ذلك، قال: صدقت، صدقت .

وما دمنا بصدد هذا الموضوع، نضيف هنا أن الزهراء رضي الله عنها كثيرا ما كانت تشكو حالها إلى ابيها . وإليك بعضا من روايات القوم في ذلك.

فعن أبي سعيد قال: أتت فاطمة النبي فذكرت عنده ضعف الحال، فقال لها: أما تدرين ما منزلة علي عندي ؟ الرواية وعنه قال: سمعت رسول الله يقول لفاطمة وقد جاءته ذات يوم تبكي وتقول: يا رسول الله عيرتني نساء قريش بفقر علي، فقال النبي: أما ترضين يا فاطمة إني زوجتك أقدمهم سلما وأكثرهم علما .

وفي رواية عن ابن عباس قال: لما زوج رسول الله عليا فاطمة تحدثت نساء قريش وغيرهن وعيرنها وقلن: زوجك رسول الله من عائل لا مال له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يافاطمة أما ترضين إن الله تبارك وتعالى اطلع اطلاعه إلى الأرض فاختار منها رجلين أحدهما أبوك والآخر بعلك .

وفي رواية: قالت فاطمة رضي الله عنها: إنك زوجتني فقيرا لا مال له، فقال: زوجتك أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علما 0

وعن خالد بن ربعي قال: إن عليا رضي الله عنه أتى منزله فقالت له فاطمة رضي الله عنها: يا ابن عم بعت الحائط الذى غرسه لك والدي ؟ قال: نعم بخير منه عاجلا وآجلا، قالت: فأين الثمن ؟ قال: دفعته إلى اعين استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسالني، قالت فاطمة: أنا جائعة وابناي جائعان ولا أشك إلا وإنك مثلنا في الجوع، لم يكن لنا منه درهم؟ وأخذت بطرف ثوب علي، فقال علي: يا فاطمة خليني، فقالت: لا والله أو يحكم بيني وبينك أبي، فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول: اقرأ عليا مني السلام وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على يديه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزل علي وجد فاطمة ملازمة لعلي فقال لها: يا بنية مالك ملازمة لعلي؟ قالت: يا أبه باع الحائط الذي غرسته لـه باثني عشر ألف درهم، لم يحبس لنا منـه درهمـا نشتري به طعاما، فقال: يا

بنية إن جبرئيل يقرؤني من ربي السلام ويقول: إقرا علياً من ربه السلام، وأمرني أن أقول لك: ليس لك أن تضربي على يديه، قالت فاطمة: فإني استغفر الله ولا أعود أبدا .

وفي رواية لما أراد أن يزوجها من علي أسر إليها فقالت: يا رسول الله أنت أولى بما ترى، غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداح البطن، طويل الذراعين، ضخم الكراديس، انزع عظيم العينين والسكنة، ضاحك السن، لا مال له .

وفي رواية قالت: يا رسول الله زوجتني عائل ؟ فهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده معصمها وقال: لا يا فاطمة ولكن زوجتك أقدمهم سلما وأكثرهم علما واعظمهم حلما .

وفي أخرى: قال صلى الله عليه وآله وسلم : ما يبكيك يا بنتي؟ قالت: قلة الطعام وكثرة ألهم وشدة السقم، قال لها: أما والله ما عند الله خيرا لك مما ترغبين إليه، يا فاطمة أما ترضين إن زوجتك خير أمتي وأقدمهم سلما وأكثرهم علما وأفضلهم حلما . وفي أخرى: قال صلى الله عليه وآله وسلم : ما يبكيك يا بنية محمد؟ فقالت: حالنا كما ترى في كساء نصفه تحتنا ونصفه فوقنا .

وفي أخرى، عن الصادق: شكت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا، فقالت: يا رسول الله لا يدع شيئا من رزقه إلا وزعه على المساكين، فقال لها: يا فاطمة اتسخطينني في أخي وابن عمي إن سخطه سخطي وإن سخطي سخط الله

وروايات شكواها عليا رضي الله عنها واعتراضها عليه كثيرة جدا، وما أوردناه أقل القليل.

وقد ذكر القوم أن رسول صلى الله عليه وآله وسلم قال في ذم بعض شكوى بناته زوجها: أقني حياءك فما اقبح بالمرأة ذات حسب ودين في كل يوم تشكو زوجها، وفي لفظ: إني لأستحيي للمرأة أن لا تزال تجر ذيولها تشكو زوجها 0

وفي قصة فدك زعم القوم إنها رضي الله عنها لما انصرفت من عند أبي بكر رضي الله عنه اقبلت على علي رضي الله عنه فقالت له: يا ابن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين نقضت قادمة الاجدل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي، وليغة ابني، والله اجهد في ظلامتي والد في خصامي، حتى منعتني القيلة نصرها، والمهاجرة وصلها وغضت الجماعة دوني طرفها فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة، وعـدت راغمـة ولا خيار لي، ليتني مت قـبل ذلتي، وتوفيت دون منيتي ، عذيري والله فيـك

حاميا، ومنك داعيا، ويلاه في كل شارق، ويلاه مات العمد، ووهن العضد، شكواى إلى ربي، وعدواى إلى أبي0

وكأن القوم يريدون أن يقولوا أن الزهراء رضي الله عنها لم تكن ترى في علي رضي الله عنه زوجا مثاليا ولا نصيرا، وإنها لطالما شكت إلى أبيها الضيعة بعده .

وهذه الرواية دليل على ذلك. وإليك أخرى: دخلت - أي الراوي - على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الحالة التي قبض فيها فإذا فاطمة عند رأسه فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليها رأسه فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك، فقال: يا حبيبتي أما علمت أن الله عزوجل اطلع على الأرض اطلاعة فاختار منها أباك ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك وأوحى إليّ أن انكحك إياه 0

ومادمنا نتحدث عن الزهراء رضي الله عنها فلا بأس من ذكر بعض ما أورده القوم في شأنها وينافي العصمة. دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها مرة وفي عنقها قلادة من ذهب كان اشتراها لها علي رضي الله عنه من فيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا فاطمة لا يقول الناس أن فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة، فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فاعتقتها، فسر بذلك رسول الله .

وفي قصة أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة فإذا هو بستر على بابها ورأى علي الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع فلم يدخل عليها، فعرفت رضي الله عنها غضبه لذلك فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبعثت به إلى أبيها، فقال: ما لآل محمد وللدنيا فانهم خلقوا للآخرة .

ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وآله وسلم لها مراراً عن البكاء. ففي مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم كانت تقول: واكرباه لكربك يا أبتـاه، فقال لهـا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا كرب على أبيـك بعـد اليوم يافاطمة، إن النبي

صلى الله عليه وآله وسلم لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان وقد يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب 0

وفي رواية عن الباقر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة: إذا أنا مت فلا تخمشي عليّ وجها، وترخي عليّ شعرا، وتنادي بالويل، ولا تقيمي عليّ نائحة .

وفي رواية: يا بنية لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة .

وفي رواية إنها اكبت تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل0 ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينه وقال بصوت ضئيل: يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه0 ولكن قولي:{ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } [آل عمران /144] .

ومنها إنها طلبت من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم جارية فقال: يا فاطمة والذي بعثني بالحق إن في المسجد أربعمائة رجل ما لهم طعام ولا شراب ولا ثياب ولو لا خشيتي خصلة لا عطينك ما سألت يا فاطمة إني لا أريد أن ينفك عنك أجرك إلى الجاريـة وإني أخاف أن يخصمك علي

بن أبي طالب يوم القيامة بين يدي الله عزوجل إذا طلب حقه منك، ثم علمها صلاة التسبيح() .

ومنها إنها رضي الله عنها لما ولدت الحسن رضي الله عنه لفته في خرقة صفراء خلافا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال: ألم انهكم أن تلفوه في صفراء - وفي لفظ - ألم اعهد إليكن إلا تلفوا المولمود في خرقة صفراء - ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفه فيها 0

وعلى أي حال نكتفي بما أوردناه عنها رضي الله عنها، ونعود إلى ماكنا فيه من الحديث عن علي رضي الله عنه ومنها، أن الزهراء قالت في وصية موتها له: يا ابن العم إني أجد الموت الذي لا محيص عنه، وأنا اعلم إنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج فإن أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوما وليلة واجعل لأولادي يوما وليلة، يا أبا الحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين فانهما بالأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان امهما0

ومنها عن الصادق في رواية طويلة فيها أن الزهراء رضي الله عنها أخبرت أن علي رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل، فدخلها من الغيره ما تملك فاشتد غمها من ذلك وبقيت متفكرة حتى أمست وجاء الليل فحملت الحسن والحسين وأم كلثوم ثم تحولت إلى حجرة أبيها، فجاء علي فدخل حجرته فلم ير فاطمة فإشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة، فاستحيى أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما بفاطمة من الحزن دخل المسجد فلم يزل يصلي، وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم، ثم أخذهما جميعا إلى علي فقال: يا علي أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله؟ فقال: بلى يا رسول الله، قال: فما دعاك إلى ماصنعت؟ فقال علي: والذي بعثك بالحق نبيا ما كان مني مما بلغها شيئا ولا حدثت بها نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : صدقت وصدقت0 ففرحت فاطمة بذلك0

ومنها وصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم له. فعن الصادق قال: كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا: يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد ، والحرص ، والكذب.

وفي رواية: والكبرياء، وفي روايه: يا علي إياك والكذب فإن الكذب يسود الوجه ثم يكتب عندالله كذابا - وقال- يا علي احذر الغيبة والنميمة فإن الغيبة تفطر والنميمة توجب عذاب القبر -وقال- يا علي لا تحلف بالله كاذبا ولا صادقا من غير ضرورة .

وفي أخرى: يا علي أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عني، ثم قال: اللهم اعنه: اما الأولى فالصدق ولا تخرجن من فيك كذبة ابدا، 00الحديث 0

وعنه أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث عليا رضي الله عنه إلى اليمن فقال له وهو يوصيه: أنهاك من أن تخفر عهدا وتعين عليه وأنهاك عن المكر فانه لايحيق المكر السئ إلا بأهله وأنهاك عن البغي فانه من بغي عليه لينصرنه الله . ومنها، قوله صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه 0 وعلى ذكر بعثة الأمير رضي الله عنه إلى اليمن، فقد أورد القوم في ذلك ما ينافي العصمة، منها، ما رواه عن نفسه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن: قلت: يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء .

وفي رواية: فقلت له: يا رسول الله أنهم قوم كثير وأنا شاب حدث .

وفي أخرى: يا رسول الله أنهم كهول وذو اسنان وأنا فتي وربما لم أصب فيما أحكم به بينهم 0

عاد بنا الحديث، منها اعتراضه على كثير من أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، منها ماكان منه يوم الحديبية، فلما كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلح وقرأه على سهيل بن عمرو قال: لو كنا نعلم إنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماصددنـاك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبدالله،

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: امح رسول الله؟ فقال: يارسول الله أن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة .

وفي رواية : ما امحو اسمك من النبوة أبدا . وفي أخرى: لا والله لا أمحوك أبدا.

وفي أخرى: فجعل يتلكأ ويأبى، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمحاه 0

ومنها، ما كان منه يوم تبوك حيث خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة، فقال رضي الله عنه : يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان ؟ .

وفي بعض الروايات أنه لحق به فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي ألم اخلفك على المدينة ؟

وفي أخرى: لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن المنافقين يزعمون إنك خلفتني استثقالا ومقتا. وفي أخرى: حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف ؟.وفي أخرى: قال: اخرج معك؟ قال: لا، فبكى، فلا زال يعارض ذلك حتى استرضاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى().

ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عليا بما يلقى بعده، فبكى علي رضي الله عنه وقال: يارسول الله اسألك بحقي عليك، وحق قرابتي وحق صحبتي، لما دعوت الله عزوجل أن يقبضني إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تسألني أن ادعو ربي لاجل مؤجل ؟ .

ومنها جهله بمسألة استدركها عليه ابليس وذلك فيما يرويه القوم من أنه رضي الله عنه صرع ابليس يوما وجلس على صدره ووضع يديه في حلقه ليخنقه فقال له: لا تفعل يا أبا الحسن فإني من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم .

وفي رواية قال: لاقتلنك ان شاء الله، فقال: لن تقدر على ذلك إلى اجل معلوم عند ربي .

وفي رواية بعد أن أخبره صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ابليس قال: لو علمت يا رسول الله لضربته بالسيف فخلصت أمتك منه، فقال له ابليس: ظلمتني يا أبا الحسن أما سمعت الله عزوجل يقول: {وشاركهم في الأموال والأولاد} [الإسراء /64] . وفي رواية قال: اقتله يا رسول الله – وفي لفظ – لأقتلنه يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أماعلمت يا علي أنه قد أجل إلى يوم الوقت المعلوم ؟ فتركه 0

ومنها ما كان منه يوم المؤاخاة عندما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار، حيث زعم القوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : آخيت بين أصحابك وتركتني ؟ – وفي لفظ: وتركتني فردا لا أخ لي. وفي رواية أنه رضي الله عنه جاء تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد .

وفي أخرى: فانصرف باكي العين، فافتقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما فعل أبوالحسن؟ قالوا: انصرف باكي العين يا رسول الله، قال: يا بلال اذهب فأتني به، فمضى بلال إلى علي وقد دخل منزله باكي العين، فقالت فاطمة: ما يبكيك لا أبكى الله عينك؟ قال: يا فاطمة آخى النبي بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني ولم يواخ بيني وبين أحد() .

وفي أخرى: فخرج مغضبا حتى أتي جدولا من الأرض وتوسد ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه، فطلبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجده على تلك الصفة، فركزه برجله وقال له: قم فما صلحت أن تكون إلا أباتراب، اغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أواخ بينك وبين أحد منهم؟ .

وفي أخرى قال: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة 0

ومنها: أن فاطمة رضي الله عنه دخلت بيتها فإذا رأس علي في حجر جارية فقالت: يا أبا الحسن فعلتها ؟ فقال: لا والله يا بنت محمد ما فعلت شيئا فما الذي تريدين ؟ – فلحقها من الغيره ما يلحق المرأة على زوجها، فتبرقعت ببرقعها ووضعت خمارها على رأسها تريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشكو عليا، فنزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: يا محمد الله يقرؤك السلام ويقول لك: هذه فاطمة تأتيك تشكو عليا فلا تقبلن منها، فلما دخلت فاطمة قال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ارجعي إلى بعلك وقولي له: رغم انفي لرضاك، فرجعت فاطمة فقالت: يا ابن عم رغم

انفي لرضاك رغم انفي لرضاك، فقال علي: يا فاطمة شكوتيني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحيا آه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم0 ومنها: أخذه رضي الله عنه لمفاتيح الكعبة من عثمان بن أبي طلحة يوم فتح مكة ولوى يده، فنزل قول الله تعالى:{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه 0

ونكتفي بما أوردناه عن علي رضي الله عنه ، وننقل بعض روايات القوم عن السبطين رضي الله عنها مما ينافي العصمه المزعومه، من ذلك وصية الأمير للحسن رضي الله عنهما : يا بني اقتل قاتلي - أي ابن ملجم - وإياك والمثلة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كرهها ولو بالكلب العقور .

وفي رواية: يا بني أنت ولي الأمر بعدي وولي الدم، فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة، ولا تأثم . وعلى ذكر مقتل الأمير رضي الله عنه فقد كان مضطربا ليلتها اضطرابا أدى إلى تناقض أفعاله كما تبينها رواية القوم هذه: قالت له أم كلثوم: ما هذا الذي أسهرك؟ فقال: إني مقتول لو قد اصبحت، وأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة فمشى غير بعيد ثم رجع، فقالت له أم كلثوم: مرّ جعدة فليصل بالناس، فقال: نعم مروا جعدة فليصل بالناس، ثم قال: لا مفر من الأجل، فخرج إلى المسجد.... .

ومن وصاياه له أيضا، يا بني ابك على خطيئتك ولا تكن الدنيا أكبر همك وأوصيك يابني بالصلاة عند وقتها، وأوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل، وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء فإن قرين السوء يغير جليسه، وإياك والجلوس في الطرقات ودع المماراة ومجاراة من لاعقل له ولا علم، واقتصد يابني في معيشتك، وإني لم آلك يابني نصحا وهذا فراق بيني وبينـك وأوصيك بأخيـك محمد خيرا... . ولعل في قوله: وأوصيك بأخيك محمد خيرا، رد على من سيرد قائلا: إنما هذه الوصايا من باب إياك اعني واسمعي يا جارة، فتدبر، ومنها، أنه نزل بالحسن رضي الله عنه ضيف، فاستقرض من قنبر رطلا من العسل الذي جاء به من اليمن، فلما قعد علي رضي الله عنه ليقسمها قال: يا قنبر قد حدث في هذا الزق حدث، قال: صدق فوك، وأخبره الخبر، فهم بضرب الحسن فقال: ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة ؟ قال: إن لنا فيه حقا، فإذا اعطيناه رددناه، قال: فداك أبوك وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، لو لا إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل ثنيتك لاوجعتك ضربا، - ثم قال: اللهم اغفر للحسن فإنه لا يعرف . تذكرني هذه الرواية برواية اصطفاء الأمير لجارية قبل القسمة كما مرّ بك آنفا0 ومنها أنه كان رجلا مطلاقا حتى حذر علي رضي الله عنه الناس من ذلك . فعن الصادق قال: أتى رجل إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه فقال له: جئتك مستشيرا أن الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر خطبوا إليّ فقال أمير المؤمنين: المستشار مؤتمن، أما الحسن فإنه مطلاق للنساء، ولكن زوجها الحسين، فانه خير لإبنتك .

وعن الصادق أيضا قال: إن عليا قال وهو على المنبر: لا تزوجوا الحسن فانه رجل مطلاق، فقام رجل من همدان فقال: بلى والله لنزوجنه، وهو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن أمير المؤمنين فإن شاء أمسك وإن شاء طلق.

وفي رواية عن الصادق أيضا قال: إن الحسن بن علي طلق خمسين امرأة، فقام علي بالكوفة فقال: يا معشر أهل الكوفة لا تنكحوا الحسن فانه رجل مطلاق .

وقد خطب إلى عبدالرحمن بن الحارث بنته، فاطرق عبدالرحمن ثم رفع رأسه فقال: والله ما على وجه الأرض من يمشي عليها اعز منك، ولكنك تعلم إن إبنتي بضعة مني وأنت مطلاق، فاخاف أن تطلقها، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك لأنك بضعة من رسـول

الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك، فسكت الحسن وقام وخرج، فسمع منه يقول: ما أراد عبدالرحمن إلا أن يجعل إبنته طوقا في عنقي، وروي أنه خطب إلى منظور بن ريان إبنته خولة، فقال: والله إني لأنكحك وإني لاعلم إنك غلق طلق ملق غير إنك أكرم العرب بيتا وأكرمهم نفسا. حتى روى أنه تزوج مائتيـن وخمسين امرأة وقد قيل ثلاثمائة وكان علي يضجر من ذلك فكان يقول في خطبته: إن الحسن مطلاق، فلا تنكحوه .

وروي أن هذه النساء كلهن خرجن في خلف جنازته حافيات 0

ومنها أن مروان بن الحكم خطب يوما فذكر علي رضي الله عنه فنال منه والحسن بن علي جالس، فبلغ ذلك الحسين فجاء إلى مروان فقال: يابن الزرقاء، أنت الواقع في علي، ثم دخل على الحسن فقال: تسمع هذا يسب أباك فلا تقول له شيئا .

وفي رواية: أن معاوية صعد المنبر، فخطب الناس وذكر علياً ونال منه، فقام الحسين ليرد عليه، فأخذ بيده الحسن فأجلسه .

ومنها: أنه قال في مسألة إن أصبت فمن من الله ثم من أمير المؤمنين وإن اخطأت فمن نفسي فارجو أن لا اخطيء إن شاء الله.

ولم يفهم شيعته بهذه العصمة التي يزعمها له القوم، وقد مرّ بك معاتبه أصحابه له على صلحه ومبايعته لمعاويه، فهذا يقول له: داهنت معاوية وصالحته، وقائل يقول: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم ياخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم ومعهم مثلهم من ابنائهم واتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، وذاك يسميه بمذل المؤمنين . وآخر يقول له: يا مسود وجه المؤمن. وآخر: سودت وجوه المؤمنين. وآخر: يا مذل المؤمنين. وفي رواية: ومسود وجوه المؤمنين

وكذا كان شأن الحسين فوصايا أبيه له كثيرة بتقوى الله وأن لا يبغي الدنيا وأن بغته وأن لا يأسف على شييء منها زوي عنه وأن يقول الحق وأن يعمل للأجر وأن يكون للظالم خصما وللمظلوم عونا وغيرها.

وهدده مرة لما دعا رجلا إلى المبارزة فعلم به فقال لئن عدت إلى مثل هذا لأعاقبنك ولئن دعاك أحد إلى مثلها فلم تجبه لأعاقبنك اما علمت أنه بغي .

وجرى بينه وبين ابن الحنفية كلام فكتب ابن الحنفية إلى الحسين : أما بعد يا أخي فإن أبي وأباك علي: لا تفضلني فيه ولا أفضلك، وأمك بنت رسول الله ولو كان ملء الأرض ذهبا ملك أمي ما وفت بأمك، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إلى حتى تترضاني فإنك أحق بالفضل مني والسلام عليك ورحمة الله وبركانه، ففعل الحسين ذلك فلم يجر بعد ذلك بينهما شييء . وكتب إليه أخيه الحسن يلومه على إعطاء الشعراء، فكتب إليه: أنت اعلم مني بأن خير المال ما وقي العرض.

ويروي القوم من وصية أخيه الحسن له في قصة دفنه: واحملني إلى قبر جدي رسول الله فألحدني إلى جانبه، فإن منعت من ذلك وستمنع فلا تخاصم، ولا تحارب وردني إلى البقيع .

وكذلك نصيحة أصحابه له بعدم الخروج إلى العراق حيث لم يستصوبوا رأيه مما يدل على عدم قولهم بعصمته.

وهذا ما رآه هو بنفسه حتى طلب من يزيد الموادعة وسأله الرجعة

وعلى أي حال لا يسعنا حصر كل مأورد في حق الائمة، وكنا نود ان نكتفي بإيراد ما يخالف عصمه أهل الكساء لصلته بموضوعنا، ولكن لا نرى بأسا من أن نمر مرورا سريعا على شييء مما يتعلق ببقية الأئمه او بعضهم، فهذا زين العابدين يقول لغلامه في مسالة حصلت بينهما : قم فأت قبر رسول الله وقل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين خطيئته يوم الدين، وأنت حر لوجه الله . وكان يقول في دعائه: اللهم ان إستغفاري لك مع مخالفتي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع سعة رحمتك لعجز، فيا سيدي إلى كم تتقرب وتتحبب وأنت غني عني، وإلى كم اتبعد منك وأنا إليك محتاج فقير.

وهاهي فاطمة بنت علي بن أبي طالب لا ترى أنه معصوم فلما نظرت إلى ما يفعل بنفسه من الدأب في العبادة أتت جابر بن عبدالله فقالت له: يا صاحب رسول الله إن لنا عليكم حقوقا، من حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا أن تذكروه الله وتدعوه إلى البقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين قد انخرم انفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه ادأب منه لنفسه في العبادة.

فلم تفهم أن زين العابدين معصوم ولا يصدر عنه ما يخالف الشرع حتى رأت أن تنصحه وكذا فعل جابر.

ومثله عن عباد البصري الذي اعترض عليه اختياره الحج على الجهاد .

وهذا الباقر أوصاه أبوه فيما أوصاه: عليك بحسن الخلق.

وفي موضع: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله.

وكان يسأل جابر الأنصاري عن مناسك الحج.

ويحيل في بعض ما يسأل عنه إلى موسى، كما يروي القوم أنه سئل عن مسالة فقال: إذا لقيت موسى فأسأله عنها . ولا أدري من موسى هذا، فإن كان الكاظم فهو محال لولادته بعد الباقر بسنين، وإن كان آخر تحقق المطلوب

و هذا ابنه الصادق روى القوم عنه أنه إذا أراد الحج وهم بالتلبية انقطع صوته في حلقه، وكاد أن يخر من راحلته، فيقال له: لا بد من أن تقول، فيقول: كيف أجسر أن أقول: لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن يقول لي: لا لبيك ولا سعديك.

وعن حمران قال: قلت لأبي عبدالله: أنبياء أنتم ؟ قال: لا، قلت: حدثني من لا اتهم إنك قلت: إنكم أنبياء ؟ قال: من هو0 أبالخطاب ؟ قلت: نعم، قال: كنت إذا اهجر .

وعنه ايضا قال: فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون.

والصادق في رواية ملخصها أن أبيه كان في داره مع جارية إذ أقبل ملك الموت وقبض الجارية، فكسر الصادق البيت الذي رأى فيه أبيه ما رأى، ثم ندم فقال: ليت ما هدمت من الدار إني لم اكسره.

وعنه: أنا لنذنب ونسيء ثم نتوب إلى الله متابا.

وكان أصحابه يستدركون عليه بعض المسائل، فهذا عباد البصري ينكر عليـه نحره هديه في منزله بمكة، . وينكر عليه وضعه يده علـى الأرض وهو يأكل.

وياخذ عليه لبسه لبعض الثياب. وكذا فعل الأرقط بن عمه حيث كان الصادق عند اسماعيـل حين قبض قبض فلما رأى الارقط جزع الصادق قال: يا أباعبدالله قد مات رسول الله ، فارتدع ثم قال: صدقت أنا لك اليوم اشكر.

حتى اسماعيل ابنه كان يستدرك عليه ففي مرة سأل الفيض الصادق: جعلت فداك نتقبل من هؤلاء الضياع فنقبلها بأكثر مما نتقبلها، فقال: لا بأس به، فقال له اسماعيل ابنه: لم تفهم يا أبه، فقال الصادق: أنا لم افهم ، أقول لك: الزمني فلا تفعل، فقام اسماعيل مغضبا.

وهذا الكاظم كان يقول في سجدة الشكر: رب عصيتك بلساني ولوشئت وعزتك لأخرستني وعصيتك ببصري ولو شئت وعزتك لاكمهتني وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزتك لاصممتني، وعصيتك بيدي ولو شئت وعزتك لمنعتني وعصيتك بفرجي ولو شئت وعزتك لاعقمتني، وعصيتك برجلي ولو شئت وعزتك لجذمتني، وعصيتك بجميع جوارحي التي انعمت بها عليّ ولم يكن هذا جزاك مني

وهذا الرضا قال: حلفت بالعتق ولا احلف بالعتق الا اعتقت رقبة، واعتقت بعدها جميع ما أملك، إن كنت أرى إني خير مـن هذا ، وأومأ إلى عبـد أسود من غلمانـه، بقرابتي من رسول الله إلا أن يكون لي عمل صالح فاكون أفضل به منه

وقال له رجل: أنت والله خير الناس، فقال له: لا تحلف يا هذا، خير مني من كان اتقى لله ، واطوع له، مانسخت هذه الآية:{ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[ الحجرات/ 13]

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الملائكة عليهم السلام

والحق أن الروايات في الباب كثيرة جدا لا يسعنا حصرها، ولكن قبل أن نختم ما أوردناه لا بأس من المرور سريعا على بعض ما يتعارض مع عصمة الملائكة، وقد عرفت قول القوم فيهم، من هذه المرويات .

رواية عن ملك يقال له فطرس كان من الحملة بعثه الله عزوجل في شيئا فأبطأ عليه فكسر جناحه والقاه في جزيرة علي الأرض .

وفي روايه: عرض عليه ولاية علي فاباها فكسر جناحه .

ورواية عن ملك بين المؤمنين يقال له: صلصائيل، بعثه الله في بعث فابطا فسلبه ريشه ودق جناحيه واسكنه في جزيرة من جزائر البحر .

وآخر يقال له دردائيل كان له ستة عشر ألف جناح، فجعل يوما يقول في نفسه: افوق ربنا جل جلاله شيئا ؟ فسلبه الله اجنحته ومقامه من صفوف الملائكة .

وآخر يقول عن نفسه: إني ملك من ملائكة الله الكروبيين، غفلت عن ذكر ربي طرفة عين، فغضب عليّ ربي ومسخني ثعبانا وطردني من السماء إلى الأرض .

وآخرون يروي القوم أنهم اعترضوا على قضاء الله في الحسين رضي الله عنه حيث قالوا لما قتل: الهنا وسيدنا اتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتـك، وخيرتك من خلقك .

وآخر أمره الله عزوجل أن يخبر أحد الملوك أنه متوفيه، ففعل، ثم أمره ان يخبره أنه عزوجل قد زاد في عمره، فقال الملك: يا رب إنك تعلم إني لم أكذب قط فأوحى الله عزوجل إلية: إنما

أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يسال عما يفعل .

وهذا جبرئيل عليه السلام يجادل ربه في إبراهيم عليه السلام ويقول: يا رب خليلك إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره سلطت عليه عدوه يحرقه بالنار، فقال: اسكت إنما يقول هذا عبد مثلك يخاف الفوت، هو عبدي آخذه إن شئت.

وفي رواية عن الرضا قال: غضب جبرئيل عليه السلام ، فأوحى الله عزوجل : ما يغضبك يا جبرئيل ؟ قال: يارب خليلك00فذكر الحديث 0

وكذا تصرفه من تلقاء نفسه . فعن الصادق قال: ما أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا كئيبا حزينا، ولم يزل كذلك منذ اهلك الله فرعون، فلما أمره الله بنزول هذه الاية: {والآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} نزل عليه وهو ضاحك مستبشر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أتيتني يا جبرائيل إلا وتبينت الحزن في وجهك حتى الساعة، قال يا محمد لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين، فاخذت حمأة فوضعتها في فيه، ثم قلت له: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، عملت ذلك من غير أمر الله خفت أن يلحقه الرحمة من الله ويعذبني على ما فعلت، فلما كان الآن وأمرني الله أن اؤدي إليك ما قلته أنا لفرعون، آمنت وعلمت أن ذلك كان لله رضى .

وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما احتضر وكشف الثوب عن وجه ونظر الية: عند الشدائد تخذلن ي؟ فقال: يا محمد إنك ميت وإنهم ميتون، كل نفس ذائقة الموت .

وكأن القوم أرادو القول بأن الخذلان لا ينافي العصمه0

وكما ذكرنا، فإن ما أوردناه قليل من كثير، ولا يسعنا حصره لكثرته والخوف من الخروج عن موضوع الكتاب .

وعلى أي حال لا شك أن هناك تأويلات وردودا لكل ما أوردناه، وقد ذكر القوم بعضا من ذلك في كتبهم وأكثرها يمجها العقل وفيها ما يضحك، ولكن ليعلم القارئ أن ايرادنا لكل ما مر ليس لأجل اعتقادنا بها أو لمناقشتها، لذا فاننا أسردناه سردا دون تعليق إلا فيما ندر، إنما ذكرناه لأجل اعتقاد القوم بعقيدة العصمة التي قالوا فيها: إن الأئمة معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا لا صغيرا ولا كبيرا، لا خطأ ولا نسيانا، ولا للاسهاء من الله تعالى من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه.

إلى آخر ماقالوه وقد نقلناه لك، وقد رأيت أنهم وكذا الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يخلوا من كل ما ادعاه القوم لهم فهم يذنبون ويخـطئون ويستغفرون وينسون ويسهون ويخالف افعال وأقوال بعضهم البعض ويشكو أحدهم من الآخر، ولم يخلوا حتى من أحاسيس وصفات الغيـرة والحسد والشك إلى آخر ما مرّ بك.

وليعلم القارئ أيضا أن من رد كل ما ذكرناه وأوّله وصرفه عن ظاهره لهو غير عاجز عن تبرئة كل الخلق وتأويل ما يوهم خطأهم فضلا عن تبرئة الشيخين وذي النورين رضي الله عنهم ، ثم اعلم أن اسهابنا بعض الشييء في الكلام عن آية التطهير ومدلولها نابع من ان هذه الآية أحد أهم دعامتين يبني عليهما القوم عقيدة الإمامة بإعتبار العصمة هنا والنص في الأخرى وهي رواية غدير خم0

راجع الأصل للتخريجات