Make your own free website on Tripod.com

مقتطفات من كتاب الإمامة والنص في موقف الشيعة من فضائل الصحابة:

أقول: لم يقف الشيعة مكتوفي الأيدي أمام كل هذه المرويات في فضائل الصحابة رضي الله عنهم، سيما وأن الكثير منها قد أقروا بصحتها فكانت لهم ردود وتأويلات نوقفك على بعضها، أمـا ما كان مـن فضائلهم في القرآن الكريم فقـد علمت قولهم في ذلك مـن ادعاء التحريف والتغيير فيه أو صرف آياته إلى ما يخدم غرضهم بما لا داعى لتكراره، أما ما كان من شأن الروايات فقد اضطرب القوم اضطرابا شديدا في صرف هذه الروايات عن ظاهرها حتى فتحوا الباب على أنفسهم ليواجهوا بمثله، وسنذكر بعض هذه التأويلات لتقف عليها ففيها طرافة وفضائل لم نذكرها0 من ذلك قولهم في آية الغار، وهو قول الله تعالى:{الا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم }[ التوبة /40].

فقد اتفق المسلمون شيعة وسنة في نزول هذه الآية في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه ونزولها في غار ثور في طريقهما إلى المدينة، وفي الآية فضائل جمه للصديق رضي الله عنه منـهـا عتـاب الله للمسلمين جميعــا وخــروج الصـديـق منـها، ومنـها النـص على صحـبتـه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يثبت ذلك لغيره من أصحابه، حتى قالوا في ذلك: أن إنكار صحبته كفر، ومنها ما تضمنته من تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بقوله:( لا تحزن)، وتعليل ذلك بمعية الله سبحانه الخاصة المفادة بقوله: { إن الله معنا}، وهي كقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: { إنني معكما أسمع وأرى}[ طة /46]، ولم يثبت مثل ذلك في غيره، بل لم يثبت لنبي معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه وكان في ذلك اشارة إلى أنه ليس فيهم كالصديق رضي الله عنه ومنها نزول السكينة على الصديق على خلاف في المسألة .

وعلى أي حال لا نطيل المقام في المسالة وإنما مرادنا ايقافك على تاويلات القوم للفضائل وصرفها عن ظاهرها، وإليك أقوالهم في آية الغار0 أول ذلك قولهم بالتحريف وأن هذه الآية حذف منها كلمة { رسوله} . فعن بن الحجال قال: كنت عند أبي الحسن الثاني ومعي الحسن بن الجهم، فقال له الحسن: أنهم يحتجون علينا بقول الله تبارك وتعالى:{ ثاني إثنين إذ هما في الغار} قال: وما لهم في ذلك؟ فوالله لقد قال الله:{ فأنزل الله سكينته على رسوله}، وما ذكره فيها بخير، قال: قلت له أنا: جعلت فداك وهكذا قرؤونها ؟ قـال: هكذا قرأتها. وفي روايـة عـن زرارة قـال: قـال أبـو جعفـر: { فأنـزل الله سكينته على رسوله} ألا ترى أن السكينة إنما نزلت على رسوله .

وذكر البحراني: أن الصحابة تصرفوا في هذه الآية لدفع العار عن شيخ الفجار - يعني الصديق رضي الله عنه - حيث الوارد في أخبارنا إنها نزلت:{ فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها }، فحذفوا لفظ { رسوله}!! وجعلوا محله الضمير 0

ثم تفننوا في صرف جميع وجوه الفضيلة في الآية إلى ضدها، نذكر منها أن وصفهما بالاجتماع في مكان واحد ليس فيه فضيلة، لأن المكان يجمع المؤمن والكافر، ومثلوا لذلك بأمثلة كسفينة نوح حيث جمعت النبي والشيطان والبهيمة، ومنها إن ذكر الصحبة يجمع المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب00} الآية .

وأيضا اسم الصحبة يطلق بين العأقل والبهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب أنهم سموا الحمار صاحبا، فقالوا: ان الحمار مع الحمار - مطية فإذا خلوت به فبئس الصاحب

ومنها أن قوله:{لا تحزن} فانه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه، لأن قوله:{ لا تحزن} نهي، وصورة النهي قول القائل: لا تفعل، فلا يخلو أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعوا إليها، وإن كان معصية فقد نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل أنه نهاه، أما قوله:{ إن الله معنا } فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أن الله معه وعبر عن نفسه بلفظ الجمع كقوله:{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }[ الحجر /9]. وقد قيل أيضا في هذا: أن أبابكر قال: يا رسول الله حزني على أخيك علي بن أبي طالب مـا كان فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تحزن إن الله معنا) أي معي ومع أخي علي.

أمـا نزول السكينة فانما كان ذلك على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فدل اخراجه من السكينة على اخراجه من الإيمان، وأضافوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة فوجئ بأبي بكر في الطريق فخاف أن يدل كفار قريش عليه فاضطر إلى أخذه معه، لأن أبابكر أراد الهرب من مكة ومفارقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل هجرته، ومنها التكدير على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجزعه في الغار، وقد كان يكفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعلق خاطره المقدس بالسلامة من الكفار، فزاده جزع صاحبه شغلا في خاطره، ولو لم يصحبه لاستراح من كدر جزعه واشتغال سرائره، وكان الخوف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لا أن أوحى إليه، من أن يبلغ الجزع بأبي بكر أن يخرج من الغار ويخبر به الطالبين له من الأشرار، فصار معه كالمشغول بحفظ نفسه من ذل صاحبه وضعفه، زيادة على ما كان مشغولا بحفظ نفسه، وغيرها0 ومن الطرائف أن علماء القوم تسابقوا إلى ادعاء هذه الكشوفات العظيمة ونسبتها إلى انفسهم، فمنهم من نسب هذه الاكاذيب إلى الأئمة، ومنهم من نسبها إلى نفسه؟، وهكذا .

وأطرف منه ذكرهم رغم كل هذا أن الزنادقة كانوا يعرفون فضيلة الغار حيث يروون مثلا: أن ابن الكواء قال لعلي: أين كنت حيث ذكر الله أبابكر فقال: ثاني اثنين اذ هما في الغار 0 . والكلام في شأن ملاقاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصديق رضي الله عنه في الطريق وأخذه معه مخافة أن يشي به إلى الكفار، ترده رواية عند القوم تقول: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن خرج من بين القوم ليلة الهجرة مضى حتى أتى إلى أبي بكر فنهض معه وذهبا إلى الغار .

بل وأوردوا قول الصديق رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن ابتياع الرواحل: قد كنت اعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب 0

والواقع أن الردود على هذه الحماقات وعلى ما يأتي كثيرة، ولا يسعنا ايرادها، بل ليس ذلك غايتنا هنا أصلا، ويمكن لمن أرادها ان يطلبها من مظانها .

ولكن لا بأس من أن نورد هنا بعضا منها ليتبين القارئ فساد ما مر: قال تعالى مخاطبا موسى وهارون عليهما السلام: { لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى }[ طة /46].

وقال تعالى مخاطبا النبي صلى الله عليه وآله وسلم : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم }[ يونس/ 65]. وقال مخاطبا نبيه { ولا تحزن عليهم وأخفض جناحك للمؤمنين}[ الحجر/ 88 ]. وقال تعالى: {وأصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون }[ النحل/ 127]. وكرر ذلك فقال تعالى:{ ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون }[ النمل /70 ]. وقال تعالى:{ ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن }[ العنكبوت/ 33 ].

وقال تعالى:{ قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى}[ طة /21].

وقال تعالى:{ وقلنا لاتخف إنك أنت الاعلى}[ طة/ 68].

وقال تعالى:{ وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون }[ النمل/ 10] .

وقال تعالى:{ وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين }[ القصص /31] .

والآيات في الباب كثيرة، فاسأل القوم هل أن قوله (لا تخافا - لا يحزنك - ولا تحزن - لا تخف ) وبال على الانبياء عليهم السلام ومنقصة لهم، ودليل على خطئهم، لأن قوله: (لا تخافا - لا يحزنك - ولا تحزن - لا تخف ) نهي، وصورة النهي قول القائل: لا تفعل، فلا يخلوا أن يكون الحزن والخوف وقع من هؤلاء الانبياء عليهم السلام طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإن الله عزوجل لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعوا إليها، وإن كان معصية فقد نهاهم عزوجل عنها، وقد شهدت الآيات بعصيانهم بدليل أن الله عزوجل نهاهم0

فتدبر فيماسيؤول إليه منطق القوم0 ولم يشأ القوم أن يتركوا القصة تنتهي إلى هنا، بل جعلوا نهاية رحلة الهجرة بالصورة التي توضحها هذه الرواية، تقول الرواية: أن أبابكر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قباء فنزل بهم ينتظر قدوم علي، قال أبوبكر: انهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك، وهم يتريثون اقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقيم هاهنا تنتظر عليا، فما أظنه يقدم إليك إلى شهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلا ما اسرعه، ولست أريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عزوجل ، واحب أهل بيتي الي، فقد وقاني بنفسه من المشركين، قال: فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي، وأول خلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فانطلق حتى دخل المدينة وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقباء حتى ينتظر عليا 0 .

وعلى ذكر لقب الصديق، فقد قلب القوم هذه المنقبة إلى مثلبة، فقد أنكر بعضهم كلياً أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقب أبابكر بالصديق . وأقر آخرون بذلك ولكن جعلوها هكذا كما تقول رواية عن خالد بن نجيح قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك سمي رسول الله أبابكر بالصديق ؟ قال: نعم، قال: فكيف قال: حين كان معه في الغار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لأرى سفينة جعفر بن أبي طالب تضطرب في البحر ضالة، قال: يا رسول الله وانك لتراها ؟ قال: نعم، قال: فتقدر أن ترينيها؟ قال: أدن مني، قال: فدنا منه، فمسح على عينيه، ثم قال: أنظر، فنظر أبوبكر فرأى السفينة وهي تضطرب في البحر ثم نظر إلى قصور أهل المدينة، فقال في نفسه: الآن صدقت إنك ساحر، فقال رسول الله: أنت الصديق 0 . وهكذا، وكأنهم بهذا يفتحون الباب لمبغضي الأمير رضي الله عنه لأن يقولوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالمبيت على فراشه ليلة الهجرة الا ليقتله المشركون ظنا منهم أنه النبي، فيستريح منه، ولو علم فيه خيرا لاصطحبه معه، ولو قيل بأن العبرة في ذلك أنه رضي الله عنه قد افتدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه . فيقال ليس في الأمر افتداء وذلك أن الأمير كما يرى القوم سيكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر موته مستبعد هنا فتنتفي الفضيلة المنسوبة إليه، وان كان احتمال الموت قائما فقد ابطلوا القول بإمامته0

وهكذا تؤول سائر فضائله رضي الله عنه فيقال مثلا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ألا أنه لا نبي بعدي: لو علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحبته خيرا أو لرأيه ومشورته منفعة لأصطحبه معه في تلك الغزوة - أي غزوة تبوك - ففي هذه الغزوة لم يأذن لأحـد بالتخلف عنها وهي آخر مغازيه ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع له فيها، فلم يتخلف عنه الا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف في كل مرة بل كان هذا الاستخلاف اضعف من الاستخلافات المعتادة لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين اقوياء يستخلف عليهم أحد كما كان يبقي في جميع مغازيه، واقد اصطحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يعظم انتفاعه به ومعاونته له ويحتاج إلى مشاورته والانتفاع برايه ولسانه ويده وسيفه والمتخلف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كله، وقد أدرك علي رضي الله عنه ذلك، أي أنه لا فائدة ترجى من ورائه أن بقى، فأخذ على الرسول ذلك، وتواتر قوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان ؟. وفي بعض الروايات أنه لحق به فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي ألم اخلفك على المدينة ؟. فلا زال يعارض ذلك حتى استرضاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال له: أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، وهذه أيضا لا تخلو من معارضتها لعقيدة العصمة، فلا بد أن يكون ما اتخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوابا وذلك لعصمته، أو خلاف ذلك بدلالة اعتراض الأمير على ذلك، والقول كثير في المسألة، وكذا شجاعته يمكن ان تؤول بأن ذلك إنما كان ملك على صورته، وليس هو رضي الله عنه وقد روى القوم ان الملائكة كانت تقاتل في صورته 0.

إذ ربما يكـون ما ظهر منه هنا أو هناك من شجاعة وبطولة إنما كان من هذا الملك أو ذاك، وأن رد على ذلك بانه نزول الملائكة على صورته في ذاته فضيلة له، رد على ذلك بأن الملائكة، بل وجبرئيل اعظم الملائكة كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحيانا على صورة دحية الكلبي رضي الله عنه 0 وهكذا، حتى في ابسط المسـائل كدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: اعلى الله كعبك يا علي 0فيمكن أن يؤوله الناصبة على أن ذلك إنما كان دعاء عليه لا له، فاعلاء الكعب كناية عن الصلب، وهكذا سائر فضائله رضي الله عنه ونحن نعلم تماما فساد ما مر بك، ولكن هل يود القوم هذا المنهج، وهل به سيسلم أحد إذا ما نحن صرفنا ظاهر النصوص وأولناها بما تخدم غرضنا، وهل ننسى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنه وقد قتل إليهودي الذي قال: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال له: قتلت رجلا شهد أن لا إله الا الله، وأني رسول الله؟، فقال اسامة: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : افلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف اسامة بعد ذلك أنه لا يقاتل أحدا شهد أن لا إله الا الله، وأن محمدا رسول الله 0 .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمه العباس رضي الله عنه يوم بدر وقد قال له إنني اسلمت: الله اعلم باسلامك إن يكن ما تذكر حقا فإن الله عزوجل سيجزيك عليه، فاما ظاهر أمرك فقد كنت علينا 0

وما رواه الصادق أنه كان في بني اسرائيل عابد فأوحى الله إلى داود أنه مراء، قال: ثم أنه مات فلم يشهد جنازته داود عزوجل ، قال: فقام أربعون من بني اسرائيل فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت اعلم به منا، فاغفر له، قال: فلما غسل أتى أربعون غير الأربعين وقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت اعلم به منا فاغفر له، فلما وضع في قبره قام أربعون غيرهم فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت اعلم به منا فاغفر له، قال: فاوحى الله إلى داود عزوجل : ما منعك أن تصلي عليه ؟ فقال داود: للذي أخبرتني، قال: فاوحى الله إليه أنه قد شهد قوم فأجزت شهادتهم، وغفرت له ما علمت مما لا يعلمون 0

نعود إلى ما كنا فيه من الحديث عن فضيلة صحبة الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الهجرة، ونكتفي بما أوردناه، إذ مطاعن القوم في ذلك كثيرة وكذلك الردود .

ولكن ننهي ذلك بهذه الرواية التي أوردها القوم. فقد ذكروا أن الله عزوجل أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قصة ليلة المبيت: آمرك أن تستصحب أبابكر فإنه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبـت على مـا يعاهدك ويعاقـدك، وكان في الجنـة مـن رفقائـك، وفي غرفاتها مـن خلصائك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: أرضيت أن تكون معي يا أبابكر تطلب كما اطلب، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ما ادعيه، فتحمل عني أنواع العذاب ؟ قال أبوبكر: يا رسول الله أما أنا لو عشت عمر الدنيا اعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل عليّ موت مريح ولا فرج منج وكان في ذلك محبتك لكان ذلك أحب إليّ من أن اتنعم فيها وأنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداؤك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا جرم أن اطلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقا لما جري على لسانك، جعلك مني بمنزلة السمع والبصر والراس من الجسد، وبمنزلة الروح من البدن كعلي الذي هو مني كذلك 0

وعلى ذكر التشبيه بالمنزلة، فقد أورد القوم عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن أبابكر مني بمنزلة السمع وأن عمر مني بمنزلة البصر وان عثمان مني بمنزلة الفؤاد .

ولا شك إنك تنتظر كيف أولوا هذا الحديث، فإليكها: روى القوم أن معنى ذلك أنهم سيسألون عن ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقوله تعالى:{ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } .

حتى وإن قلت: أن الآية عامة لجميع المكلفين فلم خص هؤلاء الثلاثة بالذكر، تجدهم يقولون: أنهم لشدة خلطتهم واطلاعهم على ما أبداه في أمير المؤمنين بمنزلة السمع والبصر والفؤاد، فتكون الحجة عليهم أتم، ولذا خصوا في تلك الآية مع عموم السؤال لجميع المكلفين 0

وكذا قولهم في بعثة أبي بكر رضي الله عنه بسورة براءة إلى المشركين الذي اجمع عليه المفسرون ونقله الأخبار من شيعة وسنة ثم أخذها منه ودفعها إلى علي رضي الله عنه لم تسلم من رد القوم لها، فقد عز على القوم أن بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصديق رضي الله عنه ابتداء، فرووا أن الباقر قال: لا والله ما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبابكر ببراءة أهو كان يبعث بها ثم يأخذها منه00الرواية 0

نعود إلى ذكر أقوال القوم في تأويل وصرف الفضائل، منها ماكان من شأن آيات الافك التي نزلت في تبرئة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها المبرأة من فوق سبع سموات، في القصة المعروفة، فالقوم قلبوا القصة رأسا على عقب فجعلوا كل تلك الآيات نازلة في ذم عائشة لا تبرئتها، فقالوا أن هذه الآيات نزلت في مارية القبطية وما رمتها بها عائشة 0

منها، قولهم في لقب الفاروق رضي الله عنه فعن خالد بن يحي قال: قلت لأبي عبدالله: لم سمي عمر الفاروق ؟ قال: نعم ألا ترى أنه قد فرق بين الحق والباطل وأخذ الناس بالباطل 0

ولا أدري إن كانت هذة الرواية مدحا أم ذما، وإن كنت أظنها إلاخيرة .

ولكن ما ذنب عمر رضي الله عنه إن أخذ الناس بالباطل0 ومنها قول علي رضي الله عنه في الفاروق رضي الله عنه لما قبض: لوددت أن القى الله تعالى بصحيفة هذا . وفي رواية: إني لأرجو أن ألقى الله تعالى بصحيفة هذا المسجى، كان تأويلهم لهذا أن عمر واطأ أبابكر والمغيرة وسالما مولى أبي حذيفة وأبا عبيدة على كتابة صحيفة بينهم يتعاقدون فيها على أنه إذا مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يورثوا أحدا من أهل بيته ولم يولوهم مقامه من بعده وكانت الصحيفة لعمر إذ كان عماد القوم، فالصحيفة التي ود أمير المؤمنين ورجا أن يلقى الله عزوجل بها هي هذه الصحيفة ليخاصمه بها ويحتج عليه بمضمونها 0 وعلى ذكر هذه الصحيفة وذكر سالم مولي أبي حذيفة . روى القوم عن الصادق أن تلقيب سالما بالأمين لأنهم لما كتبوا الصحيفة وضعوها على يد سالم، فصار الأمين .

ولا ننسي تأويلهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم اعز الاسلام بعمر بن الخطاب .

فقد أورد القوم عن محمد بن مروان قال: سألت أباعبدالله: جعلت فداك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اعز الاسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، فقال: يا محمد قد والله قال ذلك - وكان أشد على من ضرب العنق، ثم أقبل علي فقال: هل تدري ما أنزل الله يا محمد؟ قلت: أنت اعلم جعلت فداك، قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في دار الارقم، فقال: اللهم اعز الاسلام بأي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأنزل الله:{ ما كنت متخذ المضلين عضدا }[ الكهف] 0 . ومنها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا سارية الجبل .. في الرواية المشهورة، فقالوا إنما كان ذلك أن عمر شكا إلى علي رضي الله عنه غمة لإنقطاع خبر عسكر المسلمين فأخبرهم بخبرهم وأن عسكر المشركين احاطوا بهم وأنهم إن لم يصعدوا الجبل قتلوا عـن اخرهم فـسأله أن يريـه إياهم ؟ فصعـد المنبر معـه، ومسح على عينيه فرآهـم، وقال: يـا سارية الجبل، فسمعوا صوته، ثم جاء الخبر بما قال علي رضي الله عنه ووعده عمر أنه إن فعل ذلك خلع نفسه ولم يفعل 0 ومنها صلاته رضي الله عنه خلف الثلاثة رضي الله عنهم ، قالوا في ذلك: جعلهم بمثل سواري المسجد 0 . ومنها جلوس أبي بكر وعمر رضي الله عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العريش يوم بدر، حيث كانوا معه في مستقره يدبران الأمر معه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو لا أنهما أفضل الخلق عنده ما اختصهما بالجلوس معه، قالوا في ذلك: أنه صلى الله عليه وآله وسلم علم أنهما لا يصلحان للقتال، فأما أن ينهزما، أو يوليا الدبر كما صنعا يوم أحد وخيبر وحنين، أو يلحقهما من الخوف والجزع فيصيران إلى أهل الشرك مستأمنين .

رغم كذب ادعاء الهروبات هذه إلا أن الطريف الذي يستحق الذكر هنا أن قصة الجلوس في العريش هذه إنما كانت يوم بدر، وغزوة بدر كانت أولى الغزوات، فكيف تفسر هذا. والغريب أن يردد ذلك أساطين القوم كالمفيد والحلي، وهو أمر لا يجهله حتى الصبية0

ومنها ما تواتر من قول علي رضي الله عنه على منبر الكوفة: لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري 0. فمن قولهم في ذلك ما ذكره الفضل بن شاذان حيث قال: إنما روى هذا الحديث سويد بن غفلة، وقد اجمع أهل الآثار على أنه كثير الغلط.

وقال المفيد: إنما أوجب عليه حد المفتري من حيث أوجب لهما بالمفاضلة ما لا يستحقانه من الفضل لأن المفاضلة لا تكون إلا بين متقاربين في الفضل، والرجلان – أي أبابكر وعمر رضي الله عنهم - بجحدهما النص قد خرجا عن الإيمان، بطل أن يكون لهما فضل في الاسلام، فكيف يحصل لهما ما يقارب فضل أمير المـؤمنين؟ 0

أمـا قول المفيد فغير مفيد ولا يستحق الرد، أما كذب الرد الاول، أي القول باجماع أهل الآثار على أنه كثير الغلط، فليته دلنا على هؤلاء، وحسبك رد الخوئي على رواية ابن شاذان هذه بعد ايراده لأقوال اضرابة في وثاقة ابن غفلة وأنه من أولياء أمير المؤمنين بقوله: هذه الرواية مرسلة لا يعتمد عليها وكيف يصح ذلك وقد اعتمد الفضل بنفسه على رواية سويد بن غفلة كما عرفت. على أن هذه الرواية رويت عن سفيان الثوري عن محمد بن المكندر، دون سويد بن غفلة 0 ويشير بقوله: وقد اعتمد الفضل بنفسه على رواية سويد بن غفلة، إلى ما أورده الطوسي في تهذيبه من طريق بن شاذان نفسه عن حنان قال: كنت جالسا عند سويد بن غفلة، فذكر حديثا، ثم قال الطوسي: قال الفضل: وهذا الخبر أصح مما رواه سلمة بن كهيل لأن سلمة لم يدرك علياً وسويد قد أدرك علياً 0

ومثل هذه القول، قوله رضي الله عنه : خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر وعمر، فمن أراد للخبر من أصله، ومن قائل أن الباقر سئل عن هـذا القول فقال: أن الرجل يفضل على نفسه من ليس هو مثله حبا وتكرما .

ومنها ما جاء في بعض الروايات في أسباب نزول قوله تعالى:{ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا }[ التحريم /3] . من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بشر زوجته حفصة بنت عمر رضي الله عنهم بأن أبابكر الصديق رضي الله عنه سيلي الخلافة بعده ومن بعده سيلي عمر بن الخطاب 0 . زادوا في ذلك بأن حفصة لما أخبرت عائشة وأخبرا أبويهما بذلك، اجتمعوا على أن يسموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 0، وعلى ذكر البشارة هذه، فقد زعم القوم أن ولاية أبي بكر وعمر رضي الله عنهم مذكورة في كتاب دانيال عزوجل ، وأنهما رضي الله عنهم كانا على علم بهذا لهذا اسلما وتبعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلبا للولاية التي ذكرها دانيال في كتابه الموجود الآن بأيدي أهل الكتاب في الفصل التاسع منه .

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، قال علامتهم الحلي في ذلك: أن الإقتداء بالفقهاء لا يستلزم كونهم أئمة، وهو أيضا معارض لحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وقال آخر وهو أيضا لم يستطع رد الحديث لصحته: هذا الخبر لا يداني خبر الغدير لأنه من الآحاد، وقال: أن قوله بعدي مجمل ليس فيه دلالة على المراد بعد وفاتي، أو بعد حال من أحوالي.

أقول: هل يرى القوم هذا التأويل في جميع الروايات التي وضعوها في إمامة علي رضي الله عنهم ، وقال آخر: أن سبب هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان سالكا بعض الطريق وهما متأخرون عنه فقال صلى الله عليه وآله وسلم لبعض من سأله عن الطريق الذي يسلكه به: اقتدوا بالذين من بعدي، وقال آخر: أن الحديث روي بصيغة أبوبكر وعمر ومنهم من روى أبابكر وعمر، ولو كانت الرواية صحيحة لكان معني قوله بالنصب: اقتدوا بالذين من بعدي كتاب الله والعترة يا أبابكر وعمر، ومعنى قوله بالرفع: اقتدوا أيها الناس وأبو وبكر وعمر بالذين من بعدي كتاب الله والعترة 0

وعلى ذكر رواية أصحابي كالنجوم، فقد عد المحققون من أهل السنة هذا الحديث من الموضوعات.

ورغم ذلك يروي القوم عن الأئمة ما يفيد صحته، فعن الرضا أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم، وعن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : دعوا لي أصحابي؟ فقال: هذا صحيح يريد من لم يغير بعده ولم يبدل، قيل: وكيف نعلم أنهم قد غيروا وبدلوا؟ قال: لما يرونه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليذادن رجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تذاد غرائب الابل عن الماء، فاقول:يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: بعدا لهم وسحقا، افترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل 0

والطريف أن علم الهدي وغيره خالفوا الرضا في هذا، فبينما يرى الرضا صحة الحديث الأول بإعتبار الثاني، يرى هؤلاء ضعف الأول بإعتبار الحديث الثاني .

ومن لم يعجبه كل ذلك. روى عن الباقر، عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيها اخذ اهتدى، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة، فقيل: يا رسول الله ومن ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي 0

فهذا يصحح الحديث، وذاك يضعفه، وآخر يصححه ولكن يحمل مقصود الصحبة في الحديث على أهل البيت، وهكذا، والغريب أن كل روايه فيها مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا أن المقصود منها أهل البيت، كالرواية السابقة، ورواية افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله وما تلك الواحدة ؟ قال: هو ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي 0 . فالمجلسي عند نقله للرواية السابقة عن الصدوق حذف كلمة وأصحابي، وجعل محلها وأهل بيتي . فعلها مرتين وأراح نفسه من عناء التأويل. وعلى أي حال لسائل أن يتساءل هل يحمل القوم روايات ليذادن رجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي00الحديث على أهل البيت0 وما دمنا في ذكر النجوم، فمقولة أن أبابكر وعمر شمسا هذه الأمة وقمرا هذه الأمة، ذكروا فيها عن الرضا أنه قال: إن الشمس والقمر يعذبان، فلما إستغرب هذا منه قال: إنما عناهما لعنهما الله، أو ليس قد روى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الشمس والقمر نوران في النار؟ قيل: بلى، فقال: وهما في النار والله ما عنى غيرهما .

ويبدو أن واضع هذه الرواية لم يقف على ما وضعه آخر وهو قول الصادق: الشمس وضحاها، الشمس أمير المؤمنين، والقمر الحسن والحسين، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : مثلي فيكم مثل الشمس ومثل علي مثل القمر 0

حتى زواج الفاروق رضي الله عنه من أم كلثوم ابنه علي رضي الله عنهم ، وزواج عثمان ذي النورين من رقية وأم كلثوم بنتا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان للقوم فيما تأويلات وردود، فزواج عثمان رضي الله عنه من بنتي من بنات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ثقل على القوم وهم يرون أن من فضائل علي رضي الله عنه زواجه من الزهراء رضي الله عنه فكيف بمن تزوج ببنتين من بناته صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان مما قالوه في ذلك: أن رقية وأم كلثوم ليستا من بناته صلى الله عليه وآله وسلم 0، ولم يكتفوا بذلك بل زادوا أن عثمان رضي الله عنه قد قتلهما 0، وغيرها من تأويلات لهذه الزيجة أعرضنا عن ذكرها، أما قولهم في زواج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أم كلثوم، فمنهم من رفض الزواج من أصله وقال: الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين ابنته من عمر لم يثبت، وطريقه من الزبير بن بكار ولم يكن موثوقا به في النقل، وكان متهما فيما يذكره من بغضه لأمير المؤمنين وغير مأمون 0

هذا رغم أن كتب القوم الرجالية تورد في ترجمة ابن بكار هذا أنه اعلم الناس قاطبة بأخبار قريش وأنسابها وأنه نقل عنه روايات يظهر منها بطلان مذهب العامة، وحقيقة مذهب الخاصة .

ورغم أن أخبار هذه الزيجه وردت من طرق كثيرة ليس فيها ابن بكار، حتى قال المجلسي في قول المفيد الآنف الذكر: أن إنكار المفيد أصل الواقعة إنما هو لبيان أنه لم يثبت ذلك من طرقهم، وإلا فبعد ورود مـا مرّ من الأخبار إنكار ذلك عجبب .

أما أنا فلا أرى قول المفيد عجيبا فماذا عساه أن يقول، ومنهم من قال أن من تزوجها عمر رضي الله عنه لم تكن سوى جنية من نجران وليست أم كلثوم، فرووا عن الصادق أنه قال: أن أمير المؤمنين ارسل إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها سحيقة بنت جريرية، فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم وبعث بها إلى الرجل، فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوما فقال: ما في الأرض أهل بيت اسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فقتل وحوت الميراث وانصرفت إلى نجران، واظهر أمير المؤمنين أم كلثوم .

أما من أقر بهذه الزيجة فقال أن الصادق قال في ذلك: أن ذلك فرج غصبناه .

ولعمري أن حكاية ابن بكار وجنية نجران أحب إليّ من نسبه هذا إلى الصادق رحمه الله.

وقد علق المجلسي على الرواية السابقة وغيرها التي تؤكد هذه الزيجة بقوله: هذه الأخبار لا ينافي مـا مـرّ مـن قصة الجنية، لأنهـا قصـة مخيفـة اطلعـوا عليها خـواصهم، ولم يكن يتـم بـه الإحتجاج على المخالفين، بل ربما كانوا يحترزون عن اظهار أمثال تلك الأمور لأكثر الشيعة أيضا، لئلا تقبله عقولهم ولئلا يغلو فيهم .

وعلى أي حال فيما ذكرناه من تأويلات هذا الزواج كفاية وإلا لطال بنا المقام0

وكذا قولهم في روايات مدح الأمير لخلافة الشيخين رضي الله عنهم التي مرت بك من أنها على الظاهر عند الناس أو تقية ثم أراحوا انفسهم فقالوا بل الظاهر إنها من الحاقات المخالفين.

وللقوم عذرهم0 وقالوا في الروايات المنافية لرده الصحابة رضي الله عنهم كرواية الكافي التي مرت بك وفيها قول الباقر من أن عليا رضي الله عنه كان الأحب إليه أن يقرهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن السلام00الرواية. قالوا: أي عـن ظاهـره، وهـذا لا ينافي ما مرّ وسيأتي 0 أن الناس ارتدوا الا ثلاثة، لأن المراد فيها ارتدادهم عن الدين واقعا، وهذا محمول على بقائهم على صورة الاسلام وظاهره، وإن كانوا في أكثر الأحكام الواقعية في حكم الكفار .

ويقول المجلسي مضطرا بعد أن أورد العشرات من الروايات في فضائل الصحابة: وينبغي أن تعلم أن هذه الفضائل إنما هي لمن كان مؤمنا منهم لا المنافقين، كغاصبي الخلافة وأضرابهم واتباعهم ولمن ثبت منهم على الإيمان واتباع الأئمة الراشدين لا الناكثين الذين ارتدوا عن الدين 0 أي إن كل هذه الآيات والروايات التي ذكرناها في هذا الباب، لا تنطبق إلا على الثلاثة الذين لم يرتدوا كما مرّ بك، وهم بهذا يعلنون فشل صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم في تربية هذا الجيل العظيم حتى توفي وترك بعده أكثر من مائة ألف من المنافقين والناكثين والمرتدين، وحتى من تفاءل خيرا وظن أن أناسا آخرين دخلوا الدين بعد ردة الصحابة يفاجأ بارتدادهم بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة أيضا.

كما يروي القوم ذلك عن الصادق 0 ولم يسلم من تأويلهم أيضا نهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكذا الأئمة عن لعن الصحابة رضي الله عنهم ، وإليك واحدة من تلك وهي كثيرة: عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، قيل: يا رسول الله وما هي؟ فذكر منها: ولعن آخر هذه الأمة أولها0 قال الصدوق: يعني بقوله ولعن آخر هذه الأمة أولها الخوارج الذين يلعنون أمير المؤمنين وهو أول الأمة إيمانا بالله عزوجل وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم 0

وهكذا وكما فعل غيره، جعل آخر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين سنة بعد وفاتة0

راجع الأصل للوقوف على تخريجات كل ما مر